توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «38»

شارك الخبر مع أصدقائك

فى مقال الأسبوع الماضى تناولنا سؤال أهلية ترامب للرئاسة كما يطرحه خصومه. وقبل أن نناقش أفكاره ، علينا أن نكمل ما ذكر… ترامب تحكمه مجموعة أفكار هى حصاد خبرته فى عالم الأعمال ، ويراها صالحة فى كل المجالات… وهو فى هذا مخطئ، ويزيد من خطر هذا رفضه التام للاستماع إلى الخبراء، لأنه يعتبرهم من أهم المسئولين عن أزمة تراجع مكانة الولايات المتحدة. ولا يميز ترامب – فيما يبدو – بين خبراء العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

وقال لى مراقب فرنسى واسع الاطلاع، تحدثت معه هذا الأسبوع، أن التفسير الوحيد لسلوك الرئيس الأمريكى فى مواجهة أزمة الوباء مخيف… لا يمكن أن يكون الجهل…بل القبول البارد لخسائر مهولة فى الأرواح، فالرئيس عرف مبكرًا حجم الخطر، ولكنه قدر غالبًا أن توصيات الأطباء ستوقف عجلة الاقتصاد، وأن التضحية بحياة عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين أفضل من هذا… ولا سيما فى وضع احتدمت فيه المنافسة بين الصين والولايات المتحدة.

طبعا لم يقل الرئيس ما يعضد هذا التفسير، ولو كان الصديق على حق فإن ترامب فشل فى مسعاه، فالاقتصاد توقف، وبلغ عدد ضحايا الفيروس السبعين ألفًا وسيزداد… أى حصد الأمرين… وفى المقابل لا يوجد تفسير آخر لسلوك الرئيس سوى الخبل.

وعلى العموم فإن أغلب الدول ومعظم القادة ارتكبوا أخطاء كبيرة فى مواجهة الوباء. وعذرهم الطابع غير المسبوق للمشكلة وحجمها، والفارق الرئيسى بين ترامب وغيره يكمن فى عناده وإنكاره جسامة الخطر وتباطئه فى مراجعة نفسه. ويجب لفت النظر إلى ما يلى… أن أى يوم تأخير يفاقم المشكلة بمعدلات غير معتادة. لقد أجل القادة الفرنسيون قرار الحظر لأربعة أيام أو خمسة، حتى تجرى الانتخابات البلدية، وترتب على ذلك كارثة.

الخلاصة… ردنا على سؤال أهلية ترامب للرئاسة…وبعد تردد…. نقول لو خيارنا إما نعم قاطعة أم لا قاطعة… سنقول لا يصلح. ولكننا لا نحب الثنائيات إما أبيض وإما أسود. الأدق أنه قائد غير نمطى متمسك بأفكار بعضها شديد الخطورة وأنه لا يجيد الاستماع ولا إدارة بيروقراطية حديثة، ومزاجه الشخصى متقلب بطريقة تكاد تكون مرضية. فى المقابل فهو فهم أشياء عجز خصومه، لا سيما الليبراليين عن فهمها… وتمسكه العنيد بأفكاره له مخاطر وعواقب جسيمة وله أيضًا بعض المميزات المهمة.

ننتقل إلى مناقشة أفكار الرئيس ترامب وأسسها. ولا نخفى حيرتنا… من ناحية يبدو لنا أن الرئيس ترامب له تشخيص ما لأحوال النظام الدولى نوافق على بعض نقاطه. ومن ناحية أخرى لا نعرف إن كان هذا التشخيص يؤسس سياسته أم هو تبرير لها. أقصد هل جوهر الترامبية خشونة سمجة تعبد نفسها ومثيلاتها (خشونة بوتين وخشونة إردوجان مثلًا) وتبحث عن مبررات، أم هل تشخيص ترامب هو الذى يدفعه إلى الخشونة؟ ومن ناحية أخرى هل يتلخص برنامج ترامب فى البصق فى وجه الليبرالية الثقافية والسياسية وفى ضرورة محو آثار فكرها وتوصياتها… أى هل يهدم دون أن يكون لديه مشروع بناء…أم هل لديه مشروع؟!.

فى الواقع فإن المدافعين عن أى تشخيص سيجدون فى الواقع ما يعضد وجهة نظرهم. فعلى سبيل المثال نستطيع أن نسفِّه الليبراليين وحصاد سياساتهم تجاه كل من روسيا والصين، فهم دعموا صعود الصين وشجعوا الاستثمار فيها وبرروا هذا بأن خروجها من مستنقع الفقر وتبنيها للرأسمالية سيحولها حتما إلى دولة ديمقراطية محبة للولايات المتحدة. وكان واضحًا منذ أول يوم أن هذا وهم. فيما يتعلق بروسيا فإن كلام ترامب له منطق، نحن نتجه بسرعة إلى نظام عالمى ثلاثى الأقطاب، وعلى كل قطب السعى إلى منع تحالف الآخرين ضده.

يتبع.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »