توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «32»

شارك الخبر مع أصدقائك

أحاول قراءة وتحليل مذكرات الدبلوماسيين الفرنسيين، لأننى أقوم بتدريس العلاقات الدولية وأتابع الشئون الأوروبية، طبعا هناك كتبا تعتبر كنزًا ثمينًا منها مثلًا مذكرات السفير كلود مارتن، وهو من كبار المتخصصين فى الشئون الصينية، وكتب لا تساوى شيئا.

أقضى حاليا جزءًا من وقتى مع مذكرات السفير جيرار أرو، الذى أنهى مشواره المهنى سفيرا لفرنسا فى واشنطن، وعاصر نهاية عصر أوباما وبداية عصر ترامب.

آرو سفير ذاع صيته، هو من القليل الذى لا يخفى مثليته، ولا ثقافته المسيحية، وأثار ضجة بعد أن علق على فوز ترامب بتغريدة عبر فيها عن رأيه فى هذا الحدث، ويقر فى مذكراته أن التوفيق خانه حتى لو أثبتت الأحداث فيما بعد أنه كان محقا فى تحليله، لأن أسلوبه كان حادا، ولأنه استبق الأحداث.

يصور بعض الصحفيين آرو على أنه زعيم تيار المحافظين الجدد فى وزارة الخارجية، وعلى أنه من كبار أنصار إسرائيل فى الوزارة، وأنكر هو التهمة الأولى قائلا إنها عارية تمامًا عن الصحة، هو فقط كان من المطالبين بمراجعة أسس السياسة الخارجية الفرنسية المستمدة من تعاليم ديغول وميتران بعد سقوط الشيوعية وبعد 11 سبتمبر، ومن ناحية أخرى فهو لا ينكر انحيازه لإسرائيل.

لم يكن يعرف أى شيء عن اليهودية ولا عن إسرائيل عندما التحق بالوزارة، وعندما جاء وقت تعيينه فى أول عمل خارجى كان يطمع فى العمل بموقع ما نيويورك، لكنه لم يحصل على هذا، وتم تعيينه فى إسرائيل.

إسرائيل أيامها – سنة 1982 – كانت دولة فقيرة تشبه اسبارطة، أى دولة محاربين أشداء، فترة الخدمة العسكرية طويلة نسبيا والضرائب باهظة جدا، ولكنها دولة لا تعرف الترف ولا الاستمتاع بالحياة ولا أصول الطهى الرفيع – وهذا مهم جدا لفرنسي، لكن الإسرائيليين كانوا شخصيات لها مشارب متنوعة ومشاوير عمر ثرية وذاكرة كلها آلام، وكانوا جيدى الاستماع قادرين على التفاعل مع الضيوف، إلا أن دولتهم لا تتردد فى اللجوء إلى خشونة بالغة إن أحست بالخطر… والخطر كان موجودًا بصفة دائمة.

يطالب آرو القارئ بأن «يفهم ما عجز عن فهمه زملائى المتخصصون فى قضايا الشرق الأوسط»، وهو أن التعاطف مع بنى إسرائيل وتفهم مخاوفهم واحترام آلامهم لا يعنى الانحياز لسياسات إسرائيل ونسيان مصالح فرنسا وعدم الالتزام بموقف دولته، يقول إن ما حدث هو أن فهمه المتعاطف لإسرائيل سمح له بتوقع موفق لما ستقبله وما سترفضه.

ويسوق آرو مثالًا، كان صديقه دومينيك دو فيلبان – وزير الخارجية فى عهد شيراك- من أشد المناصرين للقضايا العربية، وأكثرهم تفهمًا لمواقف العرب وآلامهم، وهذا لم يمنعه من رسم سياسة تقارب مع إسرائيل ومن تنفيذها عندما شعر بأن مصلحة فرنسا وضرورات المرحلة تقتضى هذا.

طبعًا القارئ بين السطور سيستنتج من كلام آرو أنه كان – فى أحوال كثيرة وليس دائمًا- من العارضين لوجهة نظر إسرائيل فى كواليس الوزارة والمدافعين عنها ما دامت لم تتعارض مع مصلحة فرنسا، لكنه التزم دائمًا فى العلن بموقف دولته، وأن مصالح فرنسا كانت شغله الشاغل. ويلمح فى خبث إلى أن دو فيلبان كان مثله – منحازاً للعرب ولكنه يفكر أولاً وأخيرًا فى مصلحة فرنسا- وإلى أن الكثير من زملائه من المتخصصين فى شئون الشرق الأوسط لم يكونوا كذلك، بل كانوا يتبنون دائمًا الموقف العربي.

لم أشاهد طبعا مضابط الاجتماعات ولا أعرف ما قيل فى الكواليس، لكننى ألاحظ أن آرو لم يتورع عن نقد إسرائيل فى مذكراته وإلى تبنِّي رواية الطرف العربي، فإسرائيل دولة «خشنة»، ورواية الأمريكيين والإسرائيليين عن التفاعلات بين باراك وأبى عمار كاذبة…إلخ

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »