توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «3»

شارك الخبر مع أصدقائك

.

قلنا فى المقالة السابقة إن الاستقطاب الداخلى فى الدول الغربية – بين أنصار وأعداء العولمة، بين أنصار وأعداء الليبرالية السياسية والاقتصادية والثقافية- أثر بالسلب على استمرارية سياستهم الخارجية، فكل فريق يرى فى خيارات الفريق الآخر خطأ مبينا، وأن خصمه تورط فى تحالفات تسىء إلى بلاده.

ولكم فى السجال بين بوش وأوباما ثم بين أوباما وترامب عبرة، وفى علاقة الثلاثة مع مصر عبرة، وكثيرا ما اتهم الجمهوريون الأمريكيون أوباما بأنه شديد وقاسى مع حلفاء أمريكا، لين لطيف مع أعداءها، واليوم يواجه ترامب نفس الاتهام، قاسى مع ألمانيا وغيرها، لين مع كوريا الشمالية الخ، وفى الحاليتين الاتهام صائب فى وجه وخاطئ فى آخر… والتفسير أن الرئيسين يران فى “إرث” سلفهما خيارات خاطئة وحلول وسطى غير موفقة.

ولا نريد تقييم إنجازات ومصائب كل رئيس أمريكي، ولا أنكر وجود بعض الاستمرارية فى توجهات بلادهم، ولكننى أريد طرح سؤال أثر ذلك على مصر ولا أزعم أننى أملك ردا.

أنبه أولا إلى صعوبات التنبؤ فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية، فهذه الدولة تتمتع بأمان كبير، يحميها محيطان، وجيرانها لا يشكلان خطرا حقيقيا كان أم محتملا، وهى تعتمد على مجتمع ديناميكى خلاق قادر على جذب مواهب من كل أنحاء العالم، وعلى إدماج أغلب المهاجرين على اختلاف مشاربهم، وجامعاتها أحسن جامعات العالم.

الأمان والجبروت يجتمعان لمنح تلك الدولة حرية كبيرة (ولكنها ليست مطلقة) فى صياغة وتحديد ماهية ومقومات أمنها القومى ومتطلباته وسياساتها الخارجية، ويفسر هذا حيوية النقاشات بين أعضاء جماعة السياسة الخارجية هناك، ولكن نتيجة هذا الوضع مضافا إلى تعدد الفاعلين (المؤسسات التنفيذية المختلفة، الكونجرس، الإعلام، المجتمع المدني، الجامعات، السلطات الدينية، جماعات المصالح) أن توقع ما سيفعله الأمريكيون صعب رغم وفرة المعلومات.

أقول ثانيا أن الرئيسين ترامب وأوباما أعلنا مرارا عزمهما على الانسحاب من المنطقة، وفشل الإثنين فى تحقيق هذا، وكل محاولاتهما فى ترجمة هذا الشعار إلى واقع، تسببت فى كوارث أجبرتهم على العودة، ولا يعنى هذا أن المبدأ حتما خاطئ وإن كان الكثيرون يرون هذا، ما هو مؤكد أن تنفيذه لم يدرس بما فيه الكفاية.

السؤال هو كيف نستغل الفرص المتاحة فى كل خيار من الخيارات وكيف نقلل من المخاطر، فعلى سبيل المثال الانسحاب سيزيد من أعبائنا ولكنه سيقوى الحاجة إلينا، لا سيما فى المستقبل، الكثير يتكلم عن تراجع الدور المصري، ولكن الحقيقة أننا فى مرحلة تقوية الذات وإعادة البناء فى حين أن الخصوم يرهقون أنفسهم،

وطبعا المسألة ليست بتلك البساطة، لأن انسحابا أمريكيا وإن كان جزئيا، سيدفع الأطراف الإقليمية إلى مراجعة خرائط تحالفاتها، وعلينا أن نكون متيقظين.

ومن الملفت للنظر أن العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر تجاوزت العديد من الأزمات والخلافات، وبقت قوية رغم تبادل الضغوط والاتهامات ورغم اختلاف المشارب – مثلا بين رئيس له خلفية عسكرية ونظيره المنتمى إلى جيل آخر والمتهرب من التجنيد. وهذا دليل على متانتها وأهمية كل بلد بالنسبة للآخر، فالولايات المتحدة تعلم أن مصر تتحكم فى ممرات مهمة، وأن جيشها الأقوى والأعرق والأكثر حرفية فى العالم العربي، وأن سياستها الخارجية لا تخضع لأهواء حزبية أو شخصية، وتعلم أن لمصر خبرات فيما يتعلق بملف الإرهاب.

الغالب إذن أن العلاقات ستستمر وثيقة، ولكننا لا نستطيع استبعاد حدوث أزمات حادة، مع صعود أجيال جديدة من الكوادر الأمريكية تبدو أقل كفاءة من سلفها، ومع تزايد أهمية جماعات المصالح واعتبارات السياسة الداخلية فى عملية اتخاذ القرار فى واشنطن، ومع وجود ضغائن شخصية.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »