توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم 21

شارك الخبر مع أصدقائك

أقوم حاليا بقراءة كتاب، أو بمعنى أدق كتيب للأكاديمى البارز أوليفيه روا، وعنوانه «هل أوروبا مسيحية»؟ وهو كتاب خطاب وجدانى وعقلى ساعدنى على ترتيب أفكارى.

روا أكاديمى خلفيته الثقافية بروتستانتية ويسارية ماوية،ودرس الفلسفة واللغة الفارسية، وتخصص فى النصف الثانى من ثمانينيات القرن الماضى فى الشأن الأفغاني،وبعد ذلك انتقل لدراسة التأسلم السياسى، واشتهر فى مطلع التسعينات عندما صدر له كتاب اسمه «فشل الإسلام السياسى» الذى أثار جدلا واسعا، ثم وسع من دائرة اهتماماته لتشمل مآل الأديان،

يمكن القول إن الدراسات الإسلامية الفرنسية شهدت منذ سنة 1995 وإلى يومنا هذا صراعا فكريا بين روا وعدوه اللدود الدكتور جيل كيبل، صراعاً فكرياً وصراعاً على النفوذ فى الدوائر السياسية والجامعية والإعلامية،انتصر كل منهما فى جولات وخسر جولات،ويبدو لى أن كيبل كسب أكثر الجولات، لكن فوز هذا أو ذاك بجولة لا يعنى أنه كان بالضرورة على حق،بل يعنى أن رأيه هو الذى لقى قبولا أكبر لدى قطاعات الرأى العام والدولة.

لن أغرق القارئ فى تفاصيل المعارك بين الرجلين، وبعضها مضحك وصبيانى، وبعضها تافه، وكثيرها جاد ومهم بل سأقول إن روا دمث الخلق مجلسه لطيف وحديثه ممتع وهو مستمع جيد، وأحب كتابيه لى هما الكتاب موضوع المقال وكتاب آخر هو «الجهل المقدس» صدر منذ 15 سنة. وأضيف أمرين.. أولاً فى كل كتبه حتى أقلها شأناً أفكار مهمة تجبرنا على قراءتها والتفاعل معها،وفى بعضها جمل ومقولات محورية خانها التوفيق وتثير الحنق. وثانياً يبدو لى – بعد ثلاث سهرات تناقشنا فيها باستفاضة فى سبتمبر الماضي- أنه حريص جدا على توصيل الرسائل التالية للجمهور الغربى.. لا تخلطوا بين المتأسلم والمسلم المتدين العادى.. لأسباب أمنية مفهومة تنصب معظم الدراسات والتقارير على تحليل التطرف،وتهمل دراسة سلوك ورؤى وشكاوى وهموم ومدركات المسلم غير المتأسلم.. والوجود الإسلامى المتزايد فى أوروبا سيفرض إن آجلا أم عاجلا ابتكار صيغ جديدة للتعايش.

لدىّ ملاحظات كثيرة على كلامه، أهمها أننى لا أذهب مذهبه فى اعتقاده الراسخ أن السلفية والإخوانية موضة عارضة وهامشية لن تعيش طويلا، ويبدو لى أحياناً وقد أكون ظالما أنه يميل إلى اعتبار المسلم المتدين والكاثوليكى المتدين نسختين من نفس العملة نظراً لتوجسهما المشترك من الحداثة، وطبعاً بينهما سمات وخصال مشتركة لكنهما مختلفان.

لن أعرض لتفاصيل كتاب «هل أوروبا مسيحية» على أهميتها،سأكتفى بالخوض فيما يهم القارئ الشرق أوسطى. فى الربع الأول من الكتاب يدرس نشأة الدولة الحديثة فى أوروبا ويشدد على ما كنت أعرفه… أنها نشأت كعلاج جذرى للحرب الأهلية الدينية،فالدولة الحديثة قامت فى ظروف تعددت فيها التفسيرات والتأويلات واندلعت بين أتباع كل تفسير ومذهب حروب دموية طويلة. وقامت تلك الدول بفرض قواعد تضمن التعايش بين أصحاب المذاهب والرؤى المختلفة، وتحدد الخطابات الدينية المسموح بها والخطابات الممنوعة التى تحث على التقاتل الداخلي،كل هذا معروف، ويضيف روا إلى هذا أن التجربة أثبتت أن رجال الدين يعجزون عن التوصل إلى حل وسط يضمن التعايش، فقد حاول ملوك أوروبا مرارا تنظيم لقاءات بين رجال الدين الكاثوليك والبروتستانت للوصول إلى موقف موحد أو حل وسط،وفشلت كل المحاولات،هذا الفشل لا يعود إلى غباء وجهل وطموح فى السلطة من قبل رجال الدين، الكثيرون منهم كانوا علماء أجلاء ومن ذوى الخلق الرفيع، الفشل يعود إلى استحالة التنازل فى أمور العقيدة. لا تستطيع أن تطلب من رجل دين يرى الربا حراما أن يتنازل عن هذا لاعتبارات «المصلحة».

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »