توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «15»

شارك الخبر مع أصدقائك

جالست بعد انقطاع دام أشهرا صديقى وأستاذى النبيل ووجدته مهموما حزينا. منذ شهر أو أكثر يواصل على صفحته فى الموقع الاجتماعى ذكر الأسماء اللامعة التى أثرت الثقافة المصرية فى شتى المجالات، وعدد القامات التى أنجبتها مصر مثير لإعجاب ممتزج بالرهبة. البلد ثرية بأبنائها.

ولكن صديقى يرى أن الحصاد النهائى محزن… الفشل رغم المجهودات الجبارة، لم تنجح قوافل القامات فى تحديث الثقافة المصرية، وبالعكس يراها صديقى تتراجع يوما بعد يوم. تراث القرن العشرين تهاوى وذهب مع الريح، انتصر الجهلاء والدهماء. لا صوت يعلو فوق صوت أنصاف المتعلمين.

قبلها بأيام جالست صحفيا كبيرا ومذيعة لامعة، قالا إن مصر تشاهد الآن نهضة مسرحية، آلاف المصريين يكونون فرقا ويجتهدون ويقدمون عروضا تستوجب التحية والتقدير والتشجيع. ولكن الإعلام فى واد آخر لا يقوم بوظيفته، يركز على إنتاج من لم يعد يقدم النفيس، يهتم فقط بالأسماء الكبيرة وبأعضاء الشلل المعروفة. وقالا أيضا أن مصر أنتجت مؤخرا عدداً لا بأس به من الأفلام ومن الحلقات التليفزيونية الجيدة. وكلنا يعرف أن الرواية المصرية تعيش حياة جديدة وأن كم الجديد مذهل، صحيح أن المستوى العام متواضع ولكن من حين إلى آخر نجد درة… وهناك رسامون ونحاتون.

لست فى موقع يسمح لى بالحكم ويتوزيع الثناء والاتهامات يمينا ويسارا وفوقا وتحتا، فلم يعد لدىًّ وقت للمتابعة الدقيقة، ولكننى أعتقد أننى قادر على إبداء بعض الملاحظات.

فى الواقع يقول صديقى النبيل ثلاثة أشياء مختلفة، يقول من ناحية إن عصر الكبار ولي، وأن مصر لم تعد تنجب أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم. ويقول من ناحية أخرى إن ثقافة الطبقات الوسطى التى تمد الدولة بكوادر ووزراء وموظفين تراجعت وأن الفساد ونوعا من التفكير الفئوى أو القبلى استبعد الأكثر كفاءة. ويقول أخيرا إن الثقافة الرفيعة التى ميزت مصر أثناء السبعين سنة الأولى من القرن العشرين لم تفلح فى تحديث ثقافة العامة.

وكل مقولة من الثلاث تستحق مناقشة عميقة ورصينة تفوق قدراتى. ولكننى أستأذن القارئ وأسجل بعض الملاحظات. من ناحية الثقافة الرفيعة المصرية قاهرية أساسا وإسكندرانية، وعلى ابن المحافظات الذى يتطلع إلى «مكان تحت الشمس» أن يقيم فى القاهرة، ولم يعد الأمر سهلا كما كان، ولأسباب لا أعرفها هناك قطاعات من أبناء المحافظات التى يرون أن الثقافة القاهرية تتعالى عليهم وتصورهم إما كمتخلفين أو كوصوليين. وهذا الإحساس يدفعهم إلى رفضها جملة وتفصيلا.

ومن ناحية أخرى نرى فى أحوال ليست بالقليلة أن إنتاج الكاتب المهم هو ما أصدره قبل بلوغه سن الأربعين، وبعد ذلك يتدهور أداؤه. المرحوم فتحى غانم فسر هذا بتغير الوضع الاجتماعي، الشاب الأعزب الذى يبدأ مشواره أشد نقدا للأوضاع، وأقل قبولا للجو المصرى العام الذى يتسم بالروح المحافظة، ولكنه يتغير فى وقت ما، إما لأنه تزوج فأصبح أقل استعدادا للمخاطرة، أو لأنه صار مشهوراً ومسؤولاً – سواء مسئولية فعلية أو أدبية- فعلية مراعاة ردود فعل جمهور قاعدته أوسع بكثير من قواعد المثقفين الضيقة والمحدودة… فى حين أننا نعلم أن المثقف والجامعى ينضجان تدريجيا… أى أنه من المفروض أنهما يبدآن فى كتابة الثمين والنفيس فى العقد الخامس من عمرهما بعد أن جمعا بين الحيوية والخبرة. وهذه سنة عالمية، لكنه لا يتم تفعيلها فى مصر لأن الحسابات مختلفة. وهذه الملاحظة تطرح تساؤلا… هل للتفكير الخلاق الجريء قاعدة اجتماعية تحميه وتحييه؟ لا أملك ردا حاسما ولكننى ألاحظ أن الكثيرين يرون أن هذه القاعدة لا وجود لها فى مصر، وقد يكونون محقين، وقد لا يكونون.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »