توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «127»

شارك الخبر مع أصدقائك

من خصالى الحميدة أننى قارئ نهم، ومن عيوبى الجسيمة أننى أميل إلى قراءة نصف دستة كتب فى آن واحد، أفتح هذا ثم أنتقل إلى الثانى ثم أعود إلى الأول أو أفتح كتابا ثالثا… إلخ.

هذا الأسبوع بدأت كتابين على الأقل رغم أننى لم أُنه دراسة ما كنت شرعت فيه، من قراءة كتب أخرى، الأول يتناول أزمة السترات الصفر فى فرنسا، والثانى تراجع دور وزارة الخارجية الأمريكية فى رسم السياسة.

لفت أستاذى الدكتور جان لوكا نظرى إلى أهمية الكتاب الأول قائلا إنه من أهم الكتب التى صدرت فى فرنسا. مؤلف الكتاب الدكتور لوك روبان، ابن دفعتى فى معهد العلوم السياسية، الذى أصبح أحد أهم المحللين للحياة السياسية فى فرنسا، بعد أن كان أستاذاً لامعاً للإدارة العامة والسياسات العامة.

لى ذكريات كثيرة معه، بعضها مضحك، كنا صديقين أثناء الثمانينات من القرن الماضي، رغم اتساع الهوة بين مستويينا العلمى أيامها، عندما التحقنا بالدراسات العليا فى معهد العلوم السياسية، كان حاصلًا رغم صغر سنه على دكتوراه الدولة فى القانون العام، ناشرا لمقالات رصينة اعتبرت إضافات هامة، بينما العبد لله كان حاصلا على ليسانس الحقوق جامعة القاهرة وكان صحفيا مستواه معقول.

أذكر مثلا محاضرة، حضرها عشرون طالباً، وكان المحاضر الأستاذ الدكتور جان كلود طونيج، أستاذ السياسات العامة، الذى بدأها قائلا كل طالب يقدم نفسه ويعطى لنا نبذة عن شهاداته وماضيه العلمى ومشروعاته المستقبلية، اتفضل يا زميلى لوك فلتبدأ، وتحدث لوك عن رسالته ومقالاته، ولم يكن من المتكبرين لا من المتواضعين، يتحدث بموضوعية مذهلة نادرة، لا أدرى كيف يمكن وصفها، موضوعية خالصة باردة عارية، كأنها دُش بارد يقويك وينعش ذهنك ويفحمك ويشعرك بالدونية فى آن واحد.

سكتنا معجبين «مبلمين»، ثم تحدث الطالب الجالس بجواره بصوت بائس يائس يكاد يبكي، ما يمكننى قوله؟ أنا فلان وأنا أسود البشرة وبكى سيولا. وقضى البكاء على التوتر، وضحكنا كلنا، وللعلم أصبح الثانى من كبار علماء السياسة فى إفريقيا.

مع كتابة هذا المقال تتدافع الذكريات الجميلة عن ومع الصديق الذى بعد عنى أو بعدت عنه، ولكننى لن أطيل، أكتفى بالقول بإن لوك كتب أيضا مقالة بالغة الأهمية عن الفيلسوف الأمريكى روبرت نوزيك، حازت على إعجاب عالمي، ولتلك المقالة ولادة عسيرة تصلح رواية كوميدية عن العمل الدءوب بحثًا عن حل ومفتاح يظهر فجأة فى آخر لحظة، بعد أن خسر الكاتب كل أمل، حل يظهر فى ثانية كأنه رؤية بالمعنى الصوفى للكلمة، رؤية هى مكافأة الله لعبد بحث نهارا وليلا لأشهر طويلة.

زميلة أخرى لم تكن تحبه ولم تكن تحبنى قالت عنه إنه أعظم صنايعي، يجيد فنون البحث العلمى إلى درجة مذهلة لا مثيل لها ، ولكنه ليس عبقريا ولن يكون. قد أوافق على هذا…مع تكملة هذا التعليق بآخر سمعته عن مفكر كبير ويصلح أيضا للوك… كان ذكيا ذكاء فائقا مذهلا منعه من أن يكون عبقريا.

تعددت اهتمامات لوك، بين دراسة نخبة كبار موظفى الدولة، وفلسفة نوزيك، والسياسات العلمية فى الدول الغربية، وما يهمنا هنا وفى المقالات التالية الكتابان الذى خصصهما لرئاسة ماكرون لفرنسا.

ترى بسرعة جدا أن الكتابين لنفس المؤلف… تحليل بارد صارم صرامة لا تخفي غضبًا مكتومًا، تحليل يعتمد على دراسة دقيقة ومتعمقة لنتائج الانتخابات واستطلاعات رأى متعددة أجريت على مدى سنوات، تحليل يستهدف اختبار مقولات الإعلام والباحثين ومقالات الرأي، والنتيجة أن كلامهم لا أساس له من الصحة إلا فيما ندر. فهم لا يعبرون عن الرأى العام.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »