توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (122)

شارك الخبر مع أصدقائك

عن الإستراتيجية العليا

أترك مؤقتًا حديث الأفول والانحطاط، وأسعى فى هذا المقال إلى الخوض فى قضية من منظور غير متخصص؛ وهى قضية الإستراتيجية العليا لدولةٍ ما، ولمصر تحديدًا.

وفقًا لموقع ويكيبيديا، الفارق بين الإستراتيجية العليا وغيرها يكمن فى ثلاث نقاط.. الإستراتيجية العليا لا تقتصر على الشق العسكرى وأدواته، بل تتضمن التفكير فى وتحديد كيفية استخدام الأدوات الأخرى؛ الدبلوماسية والاقتصادية والمالية والثقافية والإعلامية والدينية.. إلخ، ومن ناحية أخرى تبحث فى كيفية تنمية القدرات المحلية والداخلية، ولا تكتفى بدراسة موازين القوة الإقليمية والدولية، فتحدد شكل القوات المسلحة ومدى ضرورة اللجوء إلى التجنيد الإجبارى وأولويات الاستثمار وكيفية سدّ الثغرات، وأخيرًا وليس آخرًا هذه الإستراتيجية لا تقتصر على دراسة ما يجب عمله فى وقت الحرب، بل تدرس ما هى خطط العمل فى وقت السلم.

وأحب أن أشدد على كون الإستراتيجية- عليا أم لا- ليست أية مجموعة خطط، بل هى خطط عمل فى محيط صراعى وتنافسى، وهى خطط تأخذ بعين الاعتبار ردود فعل الفاعلين الآخرين وتوجهاتهم.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1245)

فى جماعة السياسة الخارجية المصرية يثور بين حين والآخر سؤال الإستراتيجية العليا للدولة المصرية، هناك من يرى أن عدم وجود وثيقة رسمية منشورة تحدد تلك الإستراتيجية دليل على عدم وجودها، وينقسم هؤلاء إلى فريقين؛ فريق يرى أن غياب هذه الإستراتيجية نقص خطير يجب سدُّه بسرعة، وهناك من لا يجد غضاضة فى غياب مثل هذه الإستراتيجية؛ لأن وضع إستراتيجية محددة عمل مستحيل فى حد ذاته؛ لأسباب موضوعية أو لأسباب ذاتية، أو لأن غياب مثل هذه الإستراتيجية يعطى مرونة كبيرة للتحرك المصرى.

وفى المقابل هناك من يرى أن هناك إستراتيجية عليا تؤطر وقد تحدد السياسة المصرية، وأن عدم وجود وثيقة رسمية معلَنة ومنشورة لا يعنى عدم وجودها، وأن متابعة دقيقة للتحركات المصرية وقراءة لتصريحات ومؤلفات ومذكرات الفاعلين تسمحان بتصور أو بتخمين ما الإستراتيجية العليا لمصر، ويختلف بعدئذ أصحاب هذا الرأى حول تقييمها.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1247)

أبدأ باستعراض حجج وأسانيد من يرى استحالة وضع إستراتيجية عليا لا تقتصر على شعارات، أو على الأقل يرى أن وضع مثل هذه الإستراتيجية لن يضر، وربما يفيد؛ بشرط أن تتم مراجعة مثل هذه الإستراتيجية باستمرار. يستند هذا الفريق إلى اعتبارات بعضها عالمى، وبعضها الآخر خاص بمصر.

أهم الاعتبارات العالمية سرعة تطور العلم والتكنولوجيا، واستحالة توقع ما التكنولوجيا التى سيُكتب لها عمر، وما كلفتها وما أوجه استخدامها، وكيف سيؤثر استخدامها على فاعلية الدولة وفاعلية أعدائها. المسئولون الأمريكيون يقرّون باستحالة هذا التوقع، وهم يملكون من المعارف ومن الكفاءات ومن الأموال ما يملكون.

الولايات المتحدة أنفقت مئات المليارات من الدولارات فى مشروعات كُتب لها النجاح، ومئات المليارات فى مشروعات فشلت فشلًا أجبر الحكومة الأمريكية على الإقرار بأن سنوات من الجهود ومن التمويل أُهدرت تمامًا، والحالة الفرنسية لا تختلف كثيرًا. ومن الواضح أن هناك دولًا خليجية تستطيع أن تخاطر وتستثمر مليارات فى مشروعٍ قد ينجح أو يفشل، فقر مصر معناه أن القاهرة لا تملك مثل هذا الترف.

اقرأ أيضا  تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة(-4)

معنى هذا أن مصر مضطرّة لعدد من السنوات قد يطول إلى شراء التكنولوجيا أو توقيع اتفاقيات تسمح بنقلها، شراء التكنولوجيا يتيح للبائع بعض النفوذ، ونقلها مكلِّف إذ عليك أن تبنى مصانع ومنشآت وتدريب عمالة، إضافة إلى ثمن الصفقة، وتبقى فى الحالتين مشكلة توقُّع ما هى التكنولوجيا الرابحة المقوّية لقدراتك، مقارنة بقدرات المنافسين.

وهناك مشكلة أخرى متعلقة بالساحتين الإقليمية والدولية، وهى مشكلة تحديد مدى حاجتنا لإجراء تحالفات وشراكات والانخراط فى تكتلات، وتحديد كلفة ومزايا كل من عدم الانحياز والانحياز، وتحديد المعسكر الذى ننحاز له.

يتبع

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »