توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (12)

شارك الخبر مع أصدقائك

من المعروف أن الحرب هى «تكملة السياسة» بوسائل أخرى ، كما قال أهم منظر لها ، أى أن الحرب عليها استهداف غايات سياسية يحددها الحاكم . قد يبدو هذا بديهياً ولكنه ليس كذلك.

الحرب أداة، وهى لجوء إلى القوة لتحقيق أهداف ولإخضاع إرادة العدو لإرادتنا، فلا تقوم من أجل نشوة استخدام القوة، ولها لغتها الخاصة وآلياتها وديناميكياتها، فالتصعيد إلى أقصى حدود العنف المسلح، بغرض تدمير العدو تدميرا كاملا، مسار شبه حتمى، إن لم يضبط الحاكم الأمور بالإشراف على مستويات التعبئة والعنف وعلى تحديد الأهداف المراد تحقيقها.

بمعنى آخر، فى شق منها الحرب عقلنة لغريزة العدوان، توظفها وتؤطرها وتلجمها، وتقوم بترشيد اللجوء إليها.

ومن المعروف أن الدول الحديثة بنيت حول الجيوش، فالحاكم يحتاج إلى القوة العسكرية لحماية بلده أو لتوسيع رقعتها، وللقوة العسكرية متطلبات عديدة لا يمكن حصرها فى مقال، فهى تحتاج إلى مال لتمويلها، أى إلى ضرائب، وإلى جنود يتمتعون بصحة جيدة مما يستوجب سياسة صحية، وإلى قدرات تكنولوجية، أى إلى قاعدة علمية متينة، وإلى قدرة على حشد رجال وموارد الدولة، أى إلى شرعية وإلى إحصائيات، وإلى شبكة طرق وسكة حديد ومواصلات، وطبعا إلى عقيدة تحث المحاربين على الفداء.

وهناك ما اسماه المؤرخون – تحديداً جورج موس- ثقافة الحرب، وهى ثقافة تبرز تضحيات الضباط والجنود، وتخلد ذكراهم بتنظيمها، وببناء تماثيل، ومتاحف ومقابر مهيبة إلخ، وتشيطن الأعداء وتقدس مفاهيم الرجولة الفتية والتضحية، وتحاول التعامل مع آلام المحاربين ومع خسائر الحرب.

وقد لا يعرف الكثيرون أن العسكريين فى كل أنحاء العالم ليسوا مولعين بالحرب لا يتوقون إليها، فهم وزملاؤهم ومرؤوسوهم أول ضحاياها، ويعلمون أن «دخول الحمام ليس كالخروج منه»، وأن أدق الخطط وأقوى العتاد وأصلب الإرادات، قد لا تكفى إن كان الحظ معاكساً. العسكريون يعلمون ما ضبابية المعركة.

ولكن أضمن وسيلة لتفادى الحرب هى وجود جيش قوى جاهز شرس ومسلح تسليحا جيدا، هذا الوجود يردع القوى الأخرى ويؤثر بالإيجاب على موازين القوى الإقليمية والعالمية.

لا يوجد فى العلاقات الدولية حوار أو مفاوضات تقوم على المجادلة بالتى هى أحسن، من المفضل طبعا أن يكون موقفك القانونى سليماً وقوياً، وسلامة الموقف القانونى قد تقلل ومن أهمية الخلل فى موازين القوى، ولكنها لا تلغيه.

سيقول القائل إن المفاوضات حول طابا فى الثمانينيات من القرن الماضى أبرزت أهمية سلامة الموقف القانونى، وهذا القول ليس صحيحا كل الصحة ولا واضح الخطأ. موازين القوى لعبت دوراً وتصورات وحسابات الطرفين الخاصة بمستقبل العلاقات بينهما لعبت دورا، والقانون لعب دورا.

لا نقول هذا للاعتراض على مبدأ الحوار، فدراسة تاريخ الحروب تسمح بإبراز اتجاهات، تكلفة الحروب وأدواتها فى ارتفاع مطرد ومتواصل، الخسائر فى الأرواح والمعدات، وفى الأموال، وفى البنية التحتية فى ازدياد، والمكاسب المحققة فى تضاؤل، إنهاء الحروب أصبح عملية بالغة الصعوبة، فتكلفة المتفجرات منخفضة وتسمح للمقاوم بإن يستمر طويلا، وتكلفة الاحتلال فى ارتفاع دائم، ناهيك عن الأضرار التى تلحق بصورة المتصارعين فى الرأى العام العالمى.

ولكن تقديس الليبراليين للحوار يتجاهل دروس الماضى وبعض الحقائق، والحوار يقتضى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، والتوصل إلى حل وسط، وهناك أطراف تتعامل مع المفاوضات بمنطق ما أملكه من ورقات وأرصدة ليس محل التفاوض، نتفاوض حول ما يملكه العدو. ونتذكر كلنا ما قاله نائب بريطانى معارض لرئيس وزراء بريطانيا وقع اتفاق ميونخ مع هتلر: «كنت مخيرا بين الذل والمهانة وبين الحرب، اخترت الذل والمهانة ولن تفلت من الحرب». هذا النائب كان ونستن شرشل. يتبع

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »