توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (11)

شارك الخبر مع أصدقائك

نتوقف قليلاً عند استراتيجية الرئيس ترامب تجاه إيران وهى تعتمد على عقوبات قاسية مع تجنب الدخول فى حرب . لا أريد مناقشة قدرة إيران على تحمل العقوبات، سواء لأنها نجحت فى تحقيق استقلال اقتصادى شبه كامل كما يقول أنصارها، أم لأنها لا تعير أى اهتمام لآلام شعبها كما يقول خصومها.

المشكلة فى منطق الرئيس الأمريكى، كما قلت الأسبوع الماضى، تكمن فى فرضية ضمنية، وهى عدم قدرة إيران على تغيير قواعد اللعبة، قصدى أن منطق ترامب يفترض أن إيران لا تستطيع تبنى خياراً عسكرياً نظرا لتفوق أمريكا الساحق. وقد يكون ترامب محقا فى هذا، وقد يكون مخطئا.

فى بداية حكمه أعطى سلوك ترامب انطباعا بأنه يثمن عنصر المفاجأة، وأنه يحاول زرع خوف يفقد الخصوم والأصدقاء التوازن مما يسمح بانتزاع أكبر قدر من التنازلات. ولكن الصورة اتضحت سريعا، التهديد الوحيد الجاد هو التهديد بالعقوبات الاقتصادية، ولكن ترامب يأخذ مأخذ الجد وعده الانتخابى بعدم دفع الولايات المتحدة إلى مواجهات عسكرية، ومن ثم لم يعد أحد يهتم بكلامه عن محو هذه الدولة أو تلك، من الوجود. وبدا واضحا أن الرئيس ترامب يخاف الحرب أكثر من خصومه مما يسمح لبعضهم بقلب الطاولة.

اقرأ أيضا  جمال عبد الناصر‪ .. تفكير بعد خمسين سنة .. (2)

أتوقف قليلاً لأقول إن تشخيصى قد يكون خاطئا، فمهما كان رأينا فى ترامب فهو ليس غبيا، وقد يصل لاحقا إلى خلاصة أن سلوكه أصبح متوقعا وأن اللجوء إلى القوة العسكرية قد يكون ضروريا لإعادة تخويف الخصوم.

ما يهمنى هو أن الفكر الاستراتيجى القويم يقتضى تحديد قدرات العدو على تغيير قواعد اللعبة إن اتضح أنها ضد مصلحته. ومن الواضح أن ترامب لم يحسب قدرات إيران على تصعيد عسكرى يكون مهينا ولكنه لا يحتم ردا عسكريا، ويدفع المتضررين (من تصيبه ضربات إيران ولا تحميه واشنطن) إلى التفاوض مع إيران من موقع ضعف.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (57)

وأستغل الفرصة لتذكير القارئ بأن ما يسمى معسكر المقاومة ارتكب هذا الخطأ مرارا، بعض منظريه يرى أن بنية المجتمع الإسرائيلى تحث على تبنى استراتيجية قائمة على الإرهاق والاستنزاف، بمنطق أن اقتصادها لا يستطيع تحمل كلفة تعطيله لخوض حرب طويلة، وبمنطق أن قلة عدد سكانها يجعلها أقل قدرة من المجتمعات العربية على تحمل الخسائر فى الأرواح. وهذا الكلام يتجاهل قدرة إسرائيل على فرض قواعد لعبة تتفق وقدراتها، فترد على هجوم بقصف جوى يدمر البنية التحتية تدميرا كاملا ويتسبب بخسائر فى الأرواح تفوق قدرة مجتمعاتنا على التحمل، وحرب لبنان سنة 2006 خير مثال على ذلك. ومادامت إسرائيل لا تدفع ثمنا دوليا لهذا السلوك – الإدانات تحصيل حاصل- ستستمر فى هذا.

لا أريد التهوين من صعوبة اتخاذ قرارات صائبة ورسم استراتيجيات سليمة فى ظل أوضاع دولية بالغة التعقيد، وأعترف أننى فى أحوال كثيرة عاجز عن تقييم قرارات مهمة، لا أعرف مثلاً إن أصاب أوباما أم أخطأ عندما قرر ترك سوريا لروسيا مراهناً على عدم قدرتها على تحمل نفقات تواجدها على المدى الطويل، أميل إلى معسكر من يرى فى هذا القرار خطأ كبيرا ولكننى لست متأكداً وسيأتى المستقبل برد. وفى المقابل فإننى متأكد أنه لا يمكن الدفاع عن جعجعة أوباما الشعاراتية «على الأسد أن يرحل»… و«هناك خطوط حمراء إن تخطاها الأسد سيرى الويل».. لأن المصداقية بالغة الأهمية على عكس ما يقوله المعلقون الأمريكيون الذين يدافعون عن قرارات ترامب وسلفه.

اقرأ أيضا  السلام البارد من القمة.. منقطع الجذور

قد يبدو من حديثى أننى من الصقور الداعين إلى الحروب والمواجهات العسكرية لكن الوضع ليس كذلك، وسأتناول إدارة النزاعات الدولية بين الحرب والحوار فى المقالة المقبلة.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »