توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم (101)

شارك الخبر مع أصدقائك

زلزال مدوٍّ فى القوقاز

فى نهاية صيف وفى خريف 2020 شنّت أذربيجان حربًا على أرمينيا لاسترداد إقليم متنازَع عليه استولت عليه أرمينيا فى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، واتسمت المعارك بالضراوة وارتفاع عدد الخسائر فى المُعدات والأرواح، مات ما بين 8 و10 آلاف جندي؛ موزعين بالتساوى تقريبًا، إلا أن أرمينيا عدد سكانها أقل بكثير فهى خسرت تقريبًا %10 من أبناء جيل، وخسائرها فى المعدات أسوأ من «فادحة»، على عكس خسائر أذربيجان التى كانت نسبيًّا محدودة.

وتدخلت روسيا لفرض إنهاء المعارك ونجحت فى حثّ الطرفين على قبول وقف إطلاق نار، وباتت النتيجة واضحة، نصر ساحق لأذربيجان، وهزيمة قاسية لأرمينيا. الأولى استردت جزءًا كبيرًا من الإقليم المتنازَع عليه والأقاليم المحيطة به – وكانت أرمينيا قد استولت عليها أيضًا.

فى شقٍّ منها النتيجة منطقية ولا يمكن اعتبارها مفاجأة، فأذربيجان بفضل البترول والغاز أغنى بكثير من أرمينيا التى لا نصيب لها فى الذهب الأسود أو فى الغاز، ونجحت أذربيجان آخِر خمس سنوات فى تحويل ثروتها أو جزء منها إلى قوة عسكرية مهيبة، واستطاعت استيعاب عقيدة قتالية وتحقيق عنصر المفاجأة الإستراتيجية.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1205)

طبعًا لا نقول إن الغنى سينجح حتمًا فى تكوين جيش فعال؛ فالعملية تتطلب شروطًا كثيرة وتوافر عناصر عديدة، ولكن فرص الأكثر ثراء أكبر بكثير.

والنتيجة منطقية لسبب ثان وهو الدعم المتزايد من كل من تركيا وإسرائيل لأذربيجان؛ أمدت الدولتان أذربيجان بالعتاد والسلاح والخبراء وألفين من المجاهدين السوريين الذين شاركوا فى أشرس المعارك، فى حين أن علاقة أرمينيا بحاميها الرئيس وهو روسيا فترت؛ لأن حكومتها الحالية بنت ثورة شعبية، وهذا لم يكن على هوى الكرملين، أضف إلى هذا أن أرمينيا على عكس جيرانها لا تملك خيار الخروج من الفلك الروسي؛ فوجودها فيه مضمون، ومن ثم حرية حركة موسكو تجاهها شبه مطلقة.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1206)

ومع ذلك فإننا نستطيع أن نتكلم عن زلزال مدوٍّ أجبر كل الجيوش الغربية على مراجعة تصوراتها وخططها العسكرية وإستراتيجيتها وخطط شراء الأسلحة… إلخ.

أولًا بنت كل الجيوش الغربية، أو على الأقل الأوروبية، خططها على تصور أن الحروب النظامية بين دولتين تتنازع على شيء هو غالبًا أرض، هو أمر ينتمى إلى ماض لن يعود، وأن حروب المستقبل هى عمليات خارجية بعيدة عن أرض الوطن ضد ميليشيات أو ضد إرهابيين… وهى حروب تضمن فيه القوات الغربية تفوقًا جويًّا يضمن لها سيطرة كاملة على الجو.

الصراحة لم أفهم قط هذا التصور الذى ينمّ عن نرجسية، قد تكون هذه الحروب مستحيلة فى أوروبا الغربية، ولكن أيَّ مُتابع للأوضاع فى شرق آسيا مثلًا يعرف أن الحروب النظامية أمر ممكن جدًّا، وانتبهت الولايات المتحدة إلى هذا، وهذا الإدراك يفسر الانسحاب السريع، بل المتسرع من أفغانستان.

ولكن يبدو أن الدول الأوروبية لم تنتبه إلى هذا قبل حرب القوقاز.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1208)

ومن الجليِّ الواضح أن الحرب النظامية تتطلب مهارات وسلاحًا وعقائد قتالية تختلف كلية عما هو مطلوب فى الحرب اللانظامية، وسأعود إلى تلك النقطة فى مقالٍ تال.

ثانيًا ألحقت العقيدة القتالية الأذربيجانية؛ وهى مستوحاة من العقيدتين التركية والإسرائيلية، هزيمة مُنكرة للعقيدة الأرمنية التى هى منقولة من العقيدة الروسية، ولا يفسر قدم السلاح الأرمينى حجم الهزيمة وبشاعتها إلا جزئيًّا.

لا نقول إن هذا التفوق سيستمر طويلًا، من المؤكد أن القادة العسكريين فى موسكو وفى العواصم الأوروبية وغيرها يراجعون خططهم، ولكن ترجمة هذه الخطط إلى سياسات صناعية وخطط تسليح وتدريب للقوات قد يتطلب سنتين أو أكثر.

العقيدة القتالية المنتصرة تعتمد على استخدام كثيف للطيارات المسيرة، التى تستطيع القيام بأغلب بل كل مهام سلاح جوى بتكلفة أقل، وعلى تفضيل «الإشباع» على الدقة فى بعض الأحوال.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »