توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم «10»

شارك الخبر مع أصدقائك

قلنا إن الساسة الغربيين يميلون إلى رفع سقف أهداف سياساتهم الخارجية وإلى خفض الإنفاق عليها وعلى الجيوش، وبدا هذا واضحاً فى إدارة بعض الأزمات، ومنها أزمة الصومال فى تسعينات القرن الماضى، حيث قلل الرئيس كلينتون من عدد القوات المنتشرة هناك، وغير قائمة الأهداف لتصبح أكثر طموحا، وانتهى الأمر بانسحاب ترك انطباعا سيئا لدى جميع الفرقاء.

ومثال آخر هو إدارة كل من الرئيسين أوباما وترامب لملفات الشرق والخليج وإيران. من ناحية طالب أوباما برحيل الأسد وسقوط نظامه وحدد لهذا النظام خطوطا حمراء ولكنه لم يكن راغبا فى التدخل العسكرى لأسباب وجيهة، ولن نتوقف طويلا عند التناقض بين سياسة ترمى إلى إسقاط الأسد وسياسة التقارب مع إيران، وهما للرئيس نفسه.

وقرر الرئيس ترامب إجبار إيران على التراجع الإقليمى وعلى قبول مراجعة الاتفاق النووى واختار العقوبات الاقتصادية كوسيلة للضغط، ولكنه لم يكن راغبا فى شن حرب، واستغلت إيران هذا جيدا وأهانته إهانات بالغة أثرت سلبا على الرادع الأمريكى.. والقائمة تطول.

نسب أصدقاء فرنسيون هذا التناقض الصارخ بين الأهداف والإمكانيات والموارد والرغبة فى اللجوء إلى القوة العسكرية إلى تأثير الرأى العام الغربى وإلى الضغط الإعلامى الضخم الذى يمارسه النشطاء… الإعلام والنشطاء ينقلون على الهواء مشاهد المآسى الإنسانية، ويعلقون قائلين ما معناه إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن دولهم قادرة على وقف تلك المآسى إن شاءت أو على الأقل معاقبة مرتكبيها ولكنها لا تفعل لأسباب أغلبها حقير، مما يدفع القادة إلى إثبات مكارم أخلاقهم وتمسكهم بقيم نبيلة بالكلام لا بالفعل.

لهذا التفسير وجاهته الحقيقية، على سبيل المثال برر أحد مستشارى أوباما وهو السيد ديريك شوليه إصرار رئيسه على تكرار مقولة «على الأسد أن يذهب» بضرورة المحافظة على التفوق الأخلاقى الأمريكى. ولا تعليق.

ولكن هذا التفسير غير كاف، لأنه لا يتعرض بالنقد للقناعة الراسخة فى نفوس أغلب الفاعلين الغربيين وهى أن الديمقراطية نظام حكم صالح فى كل زمان ومكان وأن أى حديث عن ضرورة توافر شروط سياسية واقتصادية وثقافية لإقامته ولنجاحه، حديث سيئ النية ومغلوط، وأن على الغرب واجباً أخلاقياً وسياسياً فى نشر هذا النظام والترويج له.

والتفسير السابق ذكره لا يتعرض أيضا لضحالة الفكر الاستراتيجى لبعض القادة الغربيين، ولبعض خبرائهم.

قال مدير سابق للمخابرات الفرنسية فى مذكراته (وهو السيد برنار باجوليه) إن احتمال استفادة إيران من الغزو الأمريكى للعراق واختلال كل توازنات المنطقة، لم يخطر قط على بال الخبراء والقائمين على الأمر فى أمريكا…

تأملوا معى مقولة الرئيس أوباما فى أحاديثه… الولايات المتحدة تملك جيشا جبارا ولكنه لا يجوز إرهاقه بالتدخل فى كل أزمة صغيرة تثور وتندلع، بل يجب المحافظة عليه ليتدخل فقط فى الأزمات الكبرى.

كلام يبدو وجيها، وهو قطعا موجه ضد سياسات سلفه، ولكن هل هو دقيق فعلا؟ هناك اعتراض رئيسى عليه، وهو أن الأزمة الصغيرة قد تتفاقم لتصبح أزمة كبرى، وأن وأدها فى المهد أقل تكلفة وأكثر فعالية وحفاظا على الأرواح. وطبعاً كلامى هذا يفترض القدرة على التمييز بين الأزمة الصغيرة التى ستظل كذلك، والأزمة المرشحة للتفاقم، وقد يكون هذا مستحيلاً أحياناً، ولكننى أراه ممكناً فى أحوال لا بأس بها، على سبيل المثال لا الحصر، من الواضح أن قرار أوباما بمواجهة داعش تأخر كثيراً،

ننتقل سريعاً إلى ترامب، الذى اختار خوض حرب استنزاف تعتمد على العقوبات ضد إيران مع استبعاد الحل العسكرى، افترض هذا الخيار عجز إيران عن تغيير قواعد الصراع والمواجهة، وثبت خطأ هذا الفرض.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »