خماسية ثورية (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

  

على مدى العقود الأربعة الأخيرة، خاضت مصر ملحمتين مؤثلتين فى تاريخها المعاصر، حرب أكتوبر 1973 والثورة الجماهيرية 2011 – 2013، كان من المقدر لو أحسن توظيفهما.. أن ينقلاها إلى مصاف الدول الصاعدة فى الإقليم وعلى المستوى الدولى، إلا أن خلط الأوراق.. والتعجل فى خطف ثمارهما دون صناعهما الحقيقيين، ناهيك عن الجدل العقيم بشأنهما، حال دون البناء على مكتسباتهما إلى الآن، ولتخوض البلاد من ثم – رغم اتجاهها إلى الاستقرار النسبى – ملحمة ثالثة تواجه خلالها تحديات هائلة.. ليس من المعلوم تمامًا.. إلى أين ينتهى بها المطاف.

ولما كان من حسن الفطن.. أن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فقد أحسن «الرئيس» فى خطابه إلى الأمة قبل أيام.. حين وضع ثورة يناير فى سياقها النضالى والتاريخى، ولو أن ذلك وحده لن يكبح – على الفور – جماح بعض رموز العهود السابقة منذ منتصف السبعينيات ممن يفتى أصحابها بضرورة أن يحذف البرلمان الجديد ما أشار إليه الدستور إلى تلك الثورة، ذلك فى خلط ملتبس ومتعمد لأسبابهم، بينها وحكم «الإخوان»، كذلك بين صحة أسباب قيامها.. والفشل فى بناء البديل للنظام الذى أسقطته، متغافلين فى الوقت ذاته عن واقع استردادها – كثورة جماهيرية – فى يونيو 2013، شارك فيها – كموجتها الأولى فى يناير – مختلف أطياف المجتمع وتياراته السياسية، باستثناء «الإخوان» ذلك قبل أن ينضم – للمفارقة – فلول الأوليجاركيين إلى المتأسلمين إلى فصائل بعينها من المعارضة الأيدلوجية، كل لأسبابه، سعيا إلى محاولة دمغ الموجة الثانية للثورة بـ«الانقلاب».. الذى قد يمرر من جديد الحكم الشمولى.. إذ سوف يتصدره عسكريون هم من وجهة نظرهم.. أسوأ المدنيين، ما يمثل تحريفًا ملغوما لأحكام الدستور الناصّة على شرعية الدولة المدنية الديمقراطية، كما يمثل استباقا لأولويات مؤقتة ضرورية.. تستقر بموجبها أوضاع المجتمع.. ليعاود تقدمه سياسيا واقتصاديا بعد سنوات عديدة، ربما على غرار الثورتين الفرنسية والروسية.. وما إليهما فى العديد من الثورات فى آسيا وفى شرق أوروبا، سعيا حثيثا لكل ما يتعلق بقيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان والثقافة الديمقراطية.. فضلاً عن تشكل قوى سياسية واجتماعية جديدة، كما يمثل هذا التحريف الملغوم من جانب آخر.. استقطابا بين إسلامين وغيرهم من يساريين وعلمانيين وحداثيين إلى أنصار النظام القديم.. ما يعوق إعادة بناء مؤسسات الدولة المغيبة لعقود خلت، وهو ما يفاقم من جانب ثالث العنف القائم فى سيناء.. وفيما بين «الإخوان» وخصومهم بعد 30 يونيو، ولتصبح إعادة البناء فى ظل هذا المناخ الفوضوى المضطرب.. أشبه بعملية جراحية مؤلمة، سواء بالنسبة لإسدال الستار عن حقب سابقة ليست فوق مستوى النقد أو بالنسبة للبدء فى حقبة جديدة ليست بعد واضحة المعالم، إلا أنها بالتأكيد ضمن الخطة الوطنية المتوقعة، شرط أن ينحسر ذلك الجدل العقيم بين كون ثورة يناير «مؤامرة» تعرضت للسرقة من عدمه.. وعما إذا كانت موجتها الثانية فى يونيو مجرد «انقلاب» جاء ليجهض سابقتها فى يناير أم أنها تصحيح لمسارها الثورى ولإنجاز الأسباب التى قامت من أجلها.

وما بين الموجتين الثوريتين – فى واحد – كالمثيت عمليا، تتلقى المؤسسة العسكرية السهام من كل حدب وصوب، فيما هى فى وضعية الانتظار، انحيازها الوحيد إلى الشعب.. وصدى لمطالبه ورغباته، ربما لأنها الأقدر – حتى الآن – من غيرها، على تلبية وإشباع احتياجاته، إلا أن ذلك لا يعطيها مسوغا على بياض، ولا لأى من القوى المجتمعية الأخرى، للحكم باسمها عن غير الطريق الديمقراطى، أو إلى إعادة عقارب الساعة «تاريخيا» إلى الوراء، إذ إن ذلك قد يفتح ثغرات لتسلل المتربصين بالوطن من خارجه أو فيما بين ظهرانيه.

إن التوظيف السلبى للمنطلقات الأساسية التى قامت من أجلها ثورة يناير، قد يرتد إسقاطًا على ضروريات استكمالها فى يونيو 2013 وهو ما يجرى حاليًا بالفعل من جانب خصومهما للحيلولة دون تحولاتهما الإيجابية بالنسبة للمتغيرات المجتمعية الثقافية والسياسية التى ستقود مصر فى المستقبل.

شارك الخبر مع أصدقائك