شريف عطية

حلّة تركيا الجديدة

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية:
 
تدخل تركيا هذا الأسبوع عدّها التنازلى لأول انتخابات رئاسية شعبية مباشرة، عبر جولتين بين ثلاثة مرشحين، رئيس الوزراء الحالى «أردوغان» والأمين العام السابق للمنظمة الإسلامية «أوغلو»، وسياسى كردى شاب «دمير طاش»، وبالقياس على نتائج استطلاعات الرأى العام.. تبدو النتائج شبه محسومة من الجولة الأولى لأردوغان، بصلاحيات رئاسية رمزية- حتى الآن- فى ظل سريان النظام البرلمانى، المرشح لتعديله دستوريًا لصالح بروز نظام رئاسى.. يسعى «أردوغان» لتعبيد الطريق إليه.. إذا ما فاز حزبه بالأغلبية فى الانتخابات التشريعية المقبلة فى أغسطس 2015، ما يؤهله لتمرير مشروع دستور جديد يلتزم بإضفاء صلاحيات واسعة للرئيس تسوغها المشروعية الانتخابية.. ليترأس مقاليد السلطة التنفيذية (بعد انتخابه رئيسًا).

فى هذا السياق تدور الحياة السياسية التركية، المركبة والمعقدة، فى الداخل أو الخارج، سواء فى رحى «حرب أهلية» بين الحزب الحاكم منذ 2002.. وأحزاب المعارضة الكمالية والاشتراكية، ناهيك عن «حركة جولن»، يوجهون خلالها تهم الفساد إلى «أردوغان» وأعضاء حكومته التى يُنظر إليها بنصف عين، أو سواء ما يجرى فى الخارج خلف حدود تركيا الشرقية والجنوبية من حروب مفتوحة مع قوى التطرف تعزز بشكل أو بآخر الصراع الداخلى القاسى بين قوى مذهبية وإسلامية وقومية وعلمانية وأجهزة عسكرية وأمنية.. وقضائية.

وللخروج من هذه الدائرة الجهنمية، يسعى «أردوغان» لتعزيز طموحاته الانتخابية للإيحاء بتبنى القضية الفلسطينية، بل إلى تحرير القدس التى كثيرًا ما يذكرها «أردوغان» فى خطاباته، وإلى الوقوف إلى جانب المعارضة الإسلامية فى مواجهة النظام السورى الذى سبق أن أمهله منذ سنوات للرحيل خلال أسابيع، دون جدوي، وإلى التصريح سدى بزيارة غزة وفك حصارها، وإلي تسويق نفسه كقائد إسلامى يشخصن خصومته لمصر بدوافع أيديولوجية.. إلخ، الأمر الذى لا يروق مثل هذا الدور من أنقرة لدي قوي إقليمية رئيسية، من مصر إلى السعودية مرورًا بالسلطة الفلسطينية ودول الخليج (عدا قطر)، وحتى إيران لا تستسيغ الخط التركى لحكومة «أردوغان» المواجه لها فى أزمتى سوريا والعراق، وفى صمته المريب إزاء ما يفعله تنظيم «داعش» بالقرب من الحدود التركية.

نعم، تدرك تركيا أنها قوة إقليمية لها وزنها فى الشرق الأوسط، كما تتمتع بارتياح أمريكى غربى لهذا الدور فى تطويق بعض الأزمات الإقليمية، لحسابهما، إلا أن فشل حكومة «أردوغان»، لأسبابها، فى دعم جسور التواصل مع العالم العربى (وفى القوقاز والبلقان)، إضافة إلى خلافاتها الداخلية التى تصل إلى ما يشبه الحروب الأهلية، (إنما ينعكس سلبًا)، على أن تغدو تركيا القوة الجيوسياسية القادرة على ملء الفراغ فى المنطقة.

قصارى القول، إنه من المرجح أن يسحق «أردوغان» خصميه الانتخابيين، وأن يصبح من ثم رئيساً عتيداً لتركيا، لكن من المشكوك فيه أن يقيم، كما يطمح، امبراطوريته خلف الحدود تحت مظلة حركة إسلامية تقود تركيا من خلالها العالم الإسلامى، الأمر الذى سيصدق من عدمه بعد أن تميط تركيا الجديدة اعتبارًا من الشهر المقبل.. اللثام عن وجهها، وتطل على جيرانها الإقليميين وشركائها الأوروبيين بحلّة جديدة.

شارك الخبر مع أصدقائك