Loading...

حرية السوق..وتمويل الإنفاق العام في مواجهة تهديد البنوك الأجنبية

حرية السوق..وتمويل الإنفاق العام في مواجهة تهديد البنوك الأجنبية
جريدة المال

المال - خاص

12:00 ص, الأحد, 17 ديسمبر 06

محمد بركة:
 
تصاعد الجدل ولم يهدأ حول تهديد البنوك الأجنبية للسوق المصرفية، وخطط النمو في الاقتصاد بعد عملية بيع بنك الإسكندرية باعتباره تحولا نوعياً في الحصة السوقية لهذه الشريحة من البنوك يؤثر في سياسات التمويل داخل السوق.

 
وبالرغم من أن هذا الجدل كان الأحري به التصاعد قبل اتمام العملية ـ متي كان تدارك الأمر ممكناً ـ إلا أن صدوره عن ذوي مكانة ومصداقية لا يمكن اغفاله، وبوصفه تحذيراً من هذا التوسع في المستقبل يفرض عرض جملة من الاعتبارات الجوهرية في هذا الصدد تكمل ما تضمنه بيان البنك المركزي الاسبوع الماضي من ايضاحات.
 
أول هذه الاعتبارات التي ينبغي التوقف عندها هي قضية بالغة الأهمية كانت «المال» قد نوهت إليها في افتتاحية العدد الماضي بشأن حسم تبني خيار حرية السوق ،والواضح ان هذا الخيار لا يحتاج إلي حسم الحكومة وحدها له ـ كما طالبنا، ولكن إلي ايضاح حقيقة ان مثل هذا التبني يعني في مختلف الاوساط انه لا يمكن لحكومة ما ان تتبني نهجاً ونقيضه في آن واحد، فتقبل ما يلائمها وترفض ما سواه.
 
وهذا لسبب جوهري هو ان حصاد الخيار لا يكتمل إلا بقبوله دون تجزئة، وبالتالي لا يبدو ملائما ان تنسحب الحكومة في اطار هذا القصور، كمالك داخل السوق، وتتحول إلي منظم صارم له، وهي ترغب في التشبث بالملكية والتنظيم، ومع ذلك فإن الحكومة ابقت علي سبيل التحوط كلاً من البنوك الأهلي والكيان الناتج عن دمج بنك القاهرة في بنك مصر داخل حوزتها، لضمان اللجوء إلي كل منهما عند الضرورة لتمويل الانفاق العام أو التزامات الخطة والموازنة وهو تحوط مقبول حتي الأجل المتوسط وربما الطويل!
 
ولكن ـ وهذا ما يقودنا إلي الاعتبار الثاني ـ هل يتعين الابقاء علي بنوك ما في حوزة الحكومة لتمويل خطط الموازنة والانفاق العام؟
 
حتي يطمئن الدكتور فاروق العقدة محافظ المركزي «جمهور المتخوفين» قال للصحافة في وقت سابق وطلب منها نقل ذلك إلي الرأي العام انه ـ وعلي مسئوليته الشخصية وطالما بقي محافظاً للبنك المركزي لن تكون هناك أي عملية خصخصة جديدة لبنك عام، ومع ذلك فإن الإجابة الأمينة علي السؤال السابق وفي ضوء الاعتبار الأول ـ هي ان ذلك غير مطلوب علي وجه الضرورة في نهاية المطاف شريطة تحقق عاملين:
 
الأول هو نضوج آليات السوق، ومنح أسعار العائد الفرصة للعب دور حقيقي دون تدخل أو افساد للسوق، وهو ما سيؤدي إلي تحرير العرض ليصبح السوق عند نقطة محددة من الشفافية ليترك أي عملية تمويلية سواء للحكومة أو للقطاع الخاص رهناً بالعائد عليها وهنا ينتظر نمو الطلب علي تمويل تلك العمليات، لكن ذلك سيحتاج إلي بعض الوقت كما انه سيرتبط بوجود مرجعية لضمان عدم تجاوز اطراف السوق كل لحدود دوره.
 
وهنا يبرز دور العامل الثاني، وهو وجود سلطة رقابية صارمة تقوم علي تنظيم السوق وعدم تمرير تلك التجاوزات وضمان عدم استغلال حاجة طرف ما للتمويل كما حذر البعض باستدعاء تجربة البنوك الأجنبية في الخمسينيات، وهو ما لم يكن حاضراً في حينها لغياب وجود بنك مركزي قوي قادر علي معاقبة البنوك التي تكسر وحدة النظام واستقامته.
 
ولذلك فإن مبررات محمود عبداللطيف رئيس مجلس إدارة بنك الإسكندرية سان باولو تبقي وجيهة، لانه متي كان العائد جاذباً للتمويل فلن تميز بنوك محلية أو أجنبية بين تمويل للقطاع الخاص وآخر للانفاق العام.
 
الاعتبار الثالث يتعلق بالتقييم الفني لاداء البنوك في السوق المحلية، الذي يتأثر بوجود كيانات أجنبية قادرة علي رفع مستوي المنافسة وقيادة السوق إلي كسر حالة الركود في النشاط، لأن العائد علي حقوق الملكية لا يخضع للمصادقة في خطط تلك الكيانات، وهو ما يعني رفع معدلات الربحية الناتجة عن نمو عمليات النشاط، ليس داخلها وحدها، ولكن بالنسبة لسائر أطراف السوق التي تتنافس معها.
 
وهناك مؤشر آخر يلعب دوراً مؤثراً في عملية التقييم الفني التي لها انعكاسات علي السوق كذلك مثل مؤشر معيار كفاءة رأس المال الذي يعد إحدي أهم مواصفات الجودة في عمل البنوك كما تحددها اشتراطات «بازل 2» التي ستكون بمثابة اطار ضروري للنظام النقدي العالمي، ووجود البنوك الأجنبية في السوق يعمل علي تحفيز البنوك المحلية للتوافق معها والحفاظ علي تواجدها ضمن هذا الإطار بما يخدم سياسات التمويل الداخلية وتمتعها بجدارة ائتمانية أكبر تساهم في زيادة الجدارة الائتمانية للدولة في حال رغبت في الاستدانة الخارجية.
 
النوع الأخير من الاستدانة هو ما يقودنا إلي اعتبار رابع لابد من استحضاره في هذا السياق يرتبط بالتقييم الفني، ولكن لاداء الحكومة الاقتصادي وهو التصنيف الائتماني للدولة الذي يتأثر بمدي استجابتها لآليات السوق وتشجيع وحماية الاستثمار، والتزامها بأداء الارتباطات المالية دون تأخير وبصفة خاصة علي الصعيد الدولي، وغالباً مع يكون في ذلك مشفوعاً بمؤشرات موضوعية عن الملاءة المالية، وحجم التدفقات.النقدية المنتظمة، حيث ان ذلك كله يقود إلي زيادة عروض التمويل الخارجي،
 
وخيار الاستعانة بالاستدانة الخارجية لتمويل احتياجات الموازنة العامة، هو خيار بات يفرض نفسه بقوة في ظل تعثر الاستدانة الداخلية وتفاقم الدين العام المحلي، إذا ما كانت تكلفته سوف تقل عن مثيله القادم من الداخل، وهو ما يظهر ضرورة مسايرة النظام الاقتصادي لقواعد حرية السوق حتي يتمتع بجدارة ائتمانية تؤهله لذلك.
 
ويبقي اعتبار أخير يتعلق بالفرز الذي أتي بالبنوك الأجنبية الموجودة حالياً بالسوق إليه، وهو فرز راعي الاعتبارات الفنية والعروض المالية التي قدمت في حالات الاستحواذ والشراء ، وثبت بالخبرة والمراجعة انها الأفضل ، وان ما قام به البنك المركزي وقياداته كما يؤكد طارق عامر نائب المحافظ كان محل تقدير مؤسسات التمويل الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين وانعكس هذا في ثبات التقييم الذي منحه عدد من مؤسسات التقييم الدولية مثل «فيتش» و«استاندر اند بورز» رغم الصعوبات التي واجهها الاقتصاد العالمي.
 
وإذا ما تمت اضافة هذه الاعتبارات إلي ما تضمنه بيان البنك المركزي حول الحصص السوقية للبنوك الأجنبية داخل السوق المحلية بعد عملية البيع الناجحة لبنك الإسكندرية إلي مستثمر استراتيجي مثل سان باولو والتي ترتب عليها احتفاظ البنوك المصرية «مملوكة للدولة والقطاع الخاص» بنسبة %71.9 من اجمالي الاصول في السوق وذلك في اكتوبر من العام الجاري متأخرة نحو %9 فقط عما كان في حوزتها من أصول قبل تطبيق برنامج الإصلاح المصرفي في يونيو 2004، فإن القضية في نهاية المطاف لا تعدو صيحة تحذير تستحق طمأنة جمهور المودعين الذي يمثل ركيزة الادخار الوطني الذي يقود مواصلة معدلات النمو مسيرة صعودها بزيادة معامل الثقة في السوق والسلطة النقدية التي تكفل تنظيمه.
جريدة المال

المال - خاص

12:00 ص, الأحد, 17 ديسمبر 06