حتى لا نگرر أخطاء الماضى

شارك الخبر مع أصدقائك

أحمد رضوان:

من لا يتعلم من أخطائه، يظل أبد الدهر يحارب طواحين الهواء، يتلذذ بالمعاناة وربما يتباهى بخسائره، وتفرض عليه ظروفه الصعبة تنازلات لم تكن مطروحة فى بدايات الأمور، أعتقد أننا تعلمنا الكثير طوال عامين من مد الثورة وجزرها، وأدركنا أن الرياح لا تحارب بالسيوف، وأن خطوات بسيطة منظمة ومحسوبة قادرة على تحقيق أهداف مهمة على المدى البعيد، بتكلفة مناسبة وأمل لا ينضب.

فاجأنا رئيس الجمهورية «غير الثورى» الخميس الماضى بسلسلة من القرارات التى وصفها بالثورية، شملت اعتداء واضحا على السلطة القضائية التى طالما دافع عن نزاهتها فى مواجهة مطالب ثورية تقضى بتطهير القضاء، كما حصنت هذه القرارات جمعية تأسيسية ذات طيف سياسى واحد، وحصنت كذلك مجلس الشورى الذى قاطع غالبية المصريين انتخاباته.

ظاهر وباطن هذه القرارات يؤكد أننا أمام ديكتاتور لا يقل خطورة عن مبارك ونظام العسكر، ولم يعد من المقبول التشدق بدماء الشهداء ومطالب القصاص لتحصين قرارات استبدادية ضمن أخرى قد تظهر عادلة، أو منح مجلس شورى إخوانى صلاحيات جديدة بعد انتهاء الجمعية التأسيسية الإخوانية من وضع الدستور الإخوانى، بحيث يشرع هذا المجلس قوانين انتخابات إخوانية تضمن سيطرة هذا التيار على مجلس الشعب الجديد.

فى مرحلة بهذه الحساسية من عمر الوطن، لا مجال لحسن النية أو للانتظار، لذا كان رد الفعل على هذه القرارات أسرع وأضخم من قدرة رئيس الجمهورية وجماعته على التخيل، ساعد فى ذلك وجود دعوة سابقة بالتظاهر ضد الجمعية التأسيسية، وتخلى حركات ورموز سياسية غير إخوانية عن دعمها بالرئيس، كان آخرها حركة «6 إبريل» بعد استشهاد أحد اعضائها الأسبوع الماضى خلال الاشتباكات التى دارت مع وزارة الداخلية فى ذكرى أحداث محمد محمود.

الأمانة تقتضى التأكيد على أن فلول ومؤيدى النظام السابق رأوا فى جمعة الغضب والإنذار فرصة للاندماج مع التيارات الثورية فى مواجهة مرسى وجماعته، فظهروا بكثرة وسط الحشود. والأمانة تقتضى أيضا الإشارة الى أن بعض هؤلاء الفلول مروا بمراجعات جعلتهم على درجة من الإيمان بأهمية التغيير والميل إلى صف الثورة، فهم كجميع التيارات السياسية التى تتميز بالضخامة، متنوعين بدرجة أكبر من أن نضعهم فى قالب واحد، وأعزز وجهة نظرى هذه بأن عتاولة الفلول رأوا فرصة أفضل فى الاندماج مع تيار الإسلام السياسى الحاكم، وتحولوا بين يوم وليلة إلى حلفاء لرجال الأعمال الإخوان، وبعضهم حصل على مزايا لم يتمتع بها فى عصر مبارك نفسه، بداية من تولى مناصب مهمة فى الدولة «وزراء محافظين رؤساء مدن إلخ»، وحتى استقطاع جزء من كعكة البزنس الحكومى، خاصة بعد أن تجاهل رئيس الجمهورية الذى أؤكد للمرة الثانية أنه غير ثورى، إجراء أى تعديلات جوهرية فى أمرين أساسيين، الأول تطهير وزارة الداخلية، والثانى تعديل أوجه الإنفاق فى الموازنة العامة للدولة بصورة تجعلها تميل للفقراء على حساب الأغنياء، وليس الإبقاء على تحيزها لرجال الأعمال، رغم أن سلطة التشريع التى سمح رئيس الجمهورية باستخدامها فى إصدار قرارات الخميس الماضى، هى نفسها التى رفض استخدامها فى تعديل الموازنة أو إصدار تشريع ينظم عمل محاكم ثورية تحاسب رموز وزارة الداخلية المتورطة فى قتل المتظاهرين.

الأمانة نفسها تقتضى القول إن غالبية الفلول يحاولون تكرار تجربة الإخوان فى ركوب الثورة، فهم يرون أن التيارات الثورية مجرد وسيلة لإنهاء النظام، لكنها غير مؤهلة وغير قادرة وغير منظمة بالقدر الكافى الذى يسمح لها بالوصول إلى سدة الحكم، وبالتالى فمثلما نجح الإخوان فى الاستئثار بمجلسى الشعب والشورى وجمعية وضع الدستور ومنصب رئيس الجمهورية، رغم أنهم الأقل مشاركة فى الثورة، والأكثر تعاوناً مع النظام السابق «راجعوا اجتماعات الجماعة مع عمر سليمان وتصريحات قياداتهم قبل بداية الثورة وترحيبهم الضمنى بالتوريث مقابل العمل بحرية فى الشارع».. فلماذا لا يحاول الفلول تكرار التجربة نفسها بالحشد مع الثوار ضد نظام الإخوان واسقاطه، ومن ثم يكونون الأقرب لاستعادة جمهورية مبارك فى أفضل الظروف، أو استعادة حكم العسكر واخراج الجيش مرة أخرى من ثكناته فى أسوأ الاحتمالات، وكلاهما مكسب عظيم بالنسبة لهم.

نحن الآن بين سندان الفلول بحالهم وأحلامهم التى سردتها فى الفقرات السابقة، ومطرقة تيار إسلام سياسى لا أبالغ لو قلت إنه تداعى قبل أن يحكم قبضته على تلابيب السلطة، بسبب أخطاء كثيرة ارتكبها، بعضها عن عمد مثل تجاهل مطالب الثورة والتحايل على القصاص باستخدام أدوات غير نبيلة لتحقيق هدف نبيل وتحالفه مع العسكر والفلول لتماثلهم فى رفض الأفكار الثورية، وأخيرا ارتكانهم إلى أدوات القمع والغلبة والاستبداد فى إطفاء جذوة الثورة، وأخطاء أخرى غير متعمدة تتمثل فى ضعف مهارات كوادرهم وعدم انفتاحهم على الآخر، وانخفاض قدراتهم الدفاعية عن قرارات جماعتهم وقياداتهم، وعلينا ملاحظة أن جمعة أمس الأول كشفت إلى حد بعيد الوزن الحقيقى لهذا التيار، فتواجدهم فى المدن الرئيسية ضعيف للغاية وظهر ذلك فى ضعف قدرتهم فى الحفاظ على مقارهم من الاعتداء والحرق، الشىء نفسه ظهر فى احتشادهم أمام قصر الاتحادية، فوسيلتهم الوحيدة للحشد باتت متركزة على شحن مؤيديهم من الريف والدفع بهم إلى مجهول، سواء كان مليونية أو مجرد وقفة احتجاجية سريعة، وهناك الكثير من الفيديوهات التى تكشف أن الكثيرين من اعضاء جماعة الإخوان والتيارات السلفية يدافعون عن اشياء تتعارض بشدة مع مرجعيتهم ومع مبدأ «شرع الله» الذى يرفعونه فى دحر خصومهم فقط، ولا يسألون أنفسهم.هل ما نفعله يتفق مع هذا الشرع الذى ننادى بتطبيقه؟!

وجود الثوار بين سندان الفلول ومطرقة الإخوان والسلفيين لا يعنى أنهم لقمة سائغة، فالثوار هم الأكثر تمسكا بمبادئ العيش والحرية والعدالة والكرامة، لا يساومون على هذه المبادئ، ولا يسمحون لأى تيار أيا ما يكون بالتحايل عليها، يكسبون كل يوم أرضاً جديدة فى طريق نضالهم، ولا يهابون الغلبة أو الأكثرية، هل توجد مواطن تشعر الإنسان بالقوة أكثر من ذلك؟

ما كان ينقص الثوار هو التنظيم فقط، وأعتقد أننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من وجود تيارات ثورية تتسع قواعدها وتتوغل فى قلب الشارع، ظهر ذلك بوضوح فى «جمعة الغضب والإنذار»، أعلام الاشتراكيين الثوريين، وحركة 6 إبريل، وحزب التحالف الشعبى، وأحزاب وطنية أخرى مثل الدستور، كل هذه التيارات وغيرها تعلمت الدرس جيدا، وأدركت أن اخطاء الأمس لا يمكن أن تتكرر اليوم، ولكن هذه التنظيمات الثورية ما زالت فى طور النضج، وهناك درس وحيد أعلم أنهم يدركونه جيدا ولكنى أذكّر به فقط.. لقد طالبنا مع اشتعال ثورة يناير بكل شىء ثورى، لكننا لم نطرح بديلاً واضحاً، طلبنا اسقاط النظام برئيسه ودستوره وقوانينه ورموزه، نجحنا فى كل ذلك، وحينما غاب عنا البديل، واختفت خريطة التحرك، تهافتت قوى الظلام والرجعية التى كانت أكثر استعدادا، بتقديم نفسها كبديل بمشروع لا يمت بالثورة بأى صلة.

البديل المطروح حاليا هو «مرسى» نفسه، رئيس الجمهورية المستبد الذى جاء بانتخابات ديمقراطية شكليا، لم نرفض نتيجتها، وبالتالى هو يختلف فى هذه الجزئية عن مبارك الديكتاتور الذى قبع بالتزوير على رقابنا 30 عاماً. رحيل مرسى فى هذا الوقت يعنى تكرار سيناريو غياب البديل الذى جاء بالمجلس العسكرى إلى سدة الحكم، وسمح له بإبرام الكثير من الصفقات مع جماعة الإخوان المسلمين فى مختلف مراحل الفترة الانتقالية، الحل الوحيد من وجهة نظرى ويتفق معى كثيرون هو أن نواجه مرسى وندفعه دفعا بكل قوانا نحو تنفيذ الأجندة الثورية رغما عن أنفه وأنف جماعته، لا لشىء سوى إلى الحفاظ على شكل يسمح لأهداف الثورة بأن تتحقق خطوة بخطوة.

نحن قادرون على أن ندفع مرسى نحو إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لتضع دستورا يستحق ان يكون دستور الثورة، نحن قادرون على الضغط لاقتناص موازنة تبذر نبتة العدالة الاجتماعية، نحن قادرون على إجبار مرسى على تطهير الداخلية ومحاسبة قتلة الشهداء بقوانين غير مستبدة، نحن قادرون على إرغام مرسى على إكمال مرحلة انتقالية لم تنته بعد.

ما أكدته جمعة «الغضب والإنذار» أن الشارع أقوى بكثير من إعادة إنتاج نظام استبدادى جديد بلحية ومسبحة، أما ما يجب التأكيد عليه هو أنه لا مجال لعودة الفلول، وأنه لا مجال لعودة حكم العسكر، وأنه لا داعى لبداية مرحلة انتقالية جديدة تجبرنا على دفع ثمن العيش والحرية والعدالة.. مرتين

«للحديث بقية»

ملحوظة: بنيتُ موقفى فى هذه المقالة على الأوضاع الظاهرة أمامى حتى أمس

شارك الخبر مع أصدقائك