حال العرب‮ … ‬غياب البدائل يجلب الرذائل

شارك الخبر مع أصدقائك

د.عمار علي حسن 
 
من السنن الحياتية المتعارف عليها والراسخة في العقول والقلوب أنه لا توجد أمة حية متمكنة ومقتدرة إلا وتمتلك بدائل عدة في التفكير والتعبير والتدبير، تجربها كيفما أرادت، وحسب مقتضيات الحاجة، فإن أخفق أحدها، تذهب مباشرة إلي غيره، ساعية ما أمكنها للترقي في المعاش، متنقلة من حسن إلي أحسن، من دون توقف ولا تردد، وسائرة دوما إلي الأمام في خط مستقيم، متلمسة سنة الحياة السليمة والصحيحة، التي تقول إن الغد يجب أن يكون أفضل من اليوم، وأن الجيل القادم من الضروري أن يكون أوعي وأسعد من الجيل الحالي، وأن هذا يسلم ذاك الراية في رضا واطمئنان، وإخلاص واضح وجلي للوطن. ومثل هذه الأمة لا تترك طرفا بعينه أيا كان يحتكر تقديم البدائل، بل تعطي الفرصة للجميع للمشاركة في صنعها، مهما كان موقعهم من السلطة، أو موقفهم منها، فالكل شركاء في الوطن والمسار والمصير، والمستقبل لن تكون مغارمه علي طرف دون آخر، ولا يجب أن تصبح مغانمه لصالح جهة علي حساب البقية، تحت أي زعم.
 
أما الأمم المريضة أو الهشة، التي تقف علي أبواب الفشل وربما الموت المؤقت، فتفتقد إلي إنتاج البدائل، حيث لا تصنع غير الحزب الواحد والرجل الأوحد، ولا تزرع غير الأفكار والرؤي النمطية التي عفا عليها الدهر، وتسمي الركود استقرارا، وقلة الحيلة حكمة، والتمسك بمن شاخ وأفلس خبرة. وهذا الصنف من الأمم لا يمتلك غير مسار واحد، ولذا ترممه حتي لو تعمق الشرخ وصار عصيا علي الترميم، وترتقه حتي لو اتسع الخرق علي الراتق، وتضيع سنوات عديدة هباء في سبيل الاحتفاظ بهذا المسار المتداعي، لأنها لا تعرف غيره، ولا تألف سواه. وترتضي أن تمضي الحياة يوما بيوم، فلا أفق ولا أمل، ولا خطة ولا تصور للمستقبل المنظور أو البعيد، مع أن العالم غني بالخيارات والبدائل والمسارات، لاسيما في أوقات الراحة والسلم، والتركيز علي التنمية والرفاه والرخاء والتقدم والسعادة.
 
ومن أسف فإن العديد من الدول العربية تعيش هذه الحالة المريضة، فلا تمضي إلا في طريق واحدة، هي تلك التي حددتها السلطات. ومن أجل هذا الخيار الذي لم يختبر أحد مدي صوابه أو ملاءمته لواقعنا، تحشد كل الطاقات وتعمل أغلب العقول والنفوس في اتجاه واحد. وهنا تتحول خطب من بيده الأمر إلي برامج عمل، وتوجيهاته إلي قوانين، وتعليقاته العفوية إلي خطط، وإيماءاته إلي قرارات، تجد طريقها سريعا إلي التنفيذ، بغير فحص ولا درس، ومن دون أي روية أو تمحيص. وبذا يتحول أغلب الوزراء إلي مجرد موظفين مطيعين، يجلسون في انتظار تعليمات الرئاسة لينفذوها، أو يبادروا بالتصرف حسب ما يرضي رؤوس السلطة، بغض النظر عن مدي احتياجات الواقع لهذا، أو حاجة الناس إلي ذلك.
 
وفي ظل البديل الواحد تصبح القوي السياسية والاجتماعية المختلفة مع النظم الحاكمة مجرد حواشي باهتة علي متن غليظ، ومجرد كائنات رخوة لا تصلب ظهرها في وجه السلطة، أو كائنات طفيلية تعيش علي الفتات المتاح، وعلي البقايا التي تتركها النظم أو تنحسر عنها أرديتها الثقيلة، التي تغطي كل المجالات العامة، وبذلك تصبح عاجزة عن أن تطرح نفسها بديلا للنظام، أو تشكل »نظام ظل«، وتصير مغلولة اليد عن إنتاج تصور مختلف، يسعي إلي حشد مناصرين له، ومنافحين عنه، فتأتي ثمار أي كفاح أو نضال من أجل تحسين شروط الحياة، هزيلة وضئيلة وعطنة، أو يكون حصاد الهشيم، هو النتيجة الطبيعية المتوقعة.
 
وفي ظل البديل الواحد تختار السلطة الإطار الذي يحكم التصرفات والتحركات والقرارات في الداخل والخارج، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والخدمات، وفي الحقوق والواجبات، ويكون علي مؤسسات الدولة أن تخضع لهذا الإطار، ويفكر قطاع كبير من الجماعة العلمية والبحثية في الوسائل التي تخدمه، إما بحثا عن رضا الحاكم، أو لتجنب آثار غضبه، أو رضوخ للأمر الواقع، ويأس من إصلاحه. وحتي القلة التي تحتفظ باستقلاليتها وتحاول أن تبدع بدائل أخري، لا يجد إبداعها أي صدي، ولا يحظي بأي اهتمام أو رعاية، ولذا تبقي الأفكار البديلة حبيسة الأدمغة والأدراج، وكثير منها يموت بكمد في صمت مطبق.
 
ومع البديل الواحد تفتقد أي بلد إلي إدارة ناجعة متجددة قادرة علي تجنب الكوارث، وإدارة الأزمات، وقبل كل هذا النهوض بالأمة، ودفعها إلي الإمام دفعا، لتأخذ موقعها اللائق في طابور الأمم. ومع البديل الواحد تتجمد حياتنا وتتوقف، أو تسير سير البطة العرجاء، بينما تسرع البلدان الغنية بالبدائل خطاها، فتتسع الهوة بيننا وبينها، ونصير بتتابع الأيام ذيلا لها، وعالة عليها، ننقل عنها، ونأخذ منها، ونصبح في كل الأحوال »مفعولا به«.
 
إن الدول العربية في حاجة إلي إبداع بدائل لا تنتهي لحل مشكلاتها التي تعقدت في كل مناحي الحياة. وهذا الإبداع لا يجب أن يتوقف مهما تعنتت الحكومات أو عمدت إلي وأد الأفكار والأعمال التي لا تأتي علي هواها ومصالحها، فتلك السلطة أو هذه ليست باقية إلي الأبد، وليست قدرا محتوما. ولا بد من أن نؤمن بأنه من الضروري أن يأتي إلي سدة الحكم من يدركون أن تجميد البدائل أو وأدها جريمة في حق الأمة ومستقبلها، ولذا من الواجب أن يجد هؤلاء الجادون المخلصون أفكارا عملية جاهزة، ليستخدموها في مواجهة التخلف، والأخذ بأسباب التقدم والرقي، لنظفر في نهاية المطاف بعالم عربي قوي قادر علي الصد والرد، وتحقيق أحلام مواطنيه الذين يتحرقون شوقا إلي الحرية، ويتطلعون إلي حياة مادية أفضل، فتتحقق للأنظمة شرعيتها السليمة، وتمتلك الدول منعة وحصانة في مواجهة أي عدو أو طرف خارجي طامع. ودون ذلك ستجد الأنظمة العربية نفسها بنهاية المطاف في وضع لا تحسد عليه، كان يمكن بسهولة ويسر ألا تنزلق إليه أو تقع فيه لو أنها آمنت منذ البداية بأن غياب البدائل يجلب الرذائل.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »