حازم شريف

جيل «الآباء المؤسسين»… و«المال 2114»

شارك الخبر مع أصدقائك

حازم شريف يكتب:

لماذا تستمر صحف وشركات فى الحياة لعشرات السنوات، بل ولما يزيد على مائة عام.. وفى المقابل لا يكتب لأخرى العيش لأكثر من سنوات معدودات، تمثل فترة حياة مؤسسيها فى أفضل الأحوال؟

لماذا يتبدل البشر جيلا بعد جيل على مؤسسة ما، فتزداد مع الوقت تطورا ونضارة وحيوية ورسوخا، فى حين أن مثل هذا التعاقب، من جيل الآباء المؤسسين للأجيال التابعة، لايزيد بعض الشركات سوى ترهل وكهولة، تودى بها فى النهاية للاحتضار والأفول، وكانها لم تولد قط، وكأن فردا أو مجموعة أفراد، لم يحلموا بها ولها، ولم يفنوا بها سنوات العمر…. بحثا عن الخلود؟!

حين أجلس متكئا على حاسوبى الصغير، عاقدا العزم، صادقا النية، لكتابة هذا المقال، فى مناسبة مرور أحد عشر عاما بالتمام والكمال على صدور العدد الأول من جريدة المال فى 16مارس 2003… يتملكنى شعور متقطع بالزهو – وربما كان محض جنون-، لمجرد تصور أن يشار إلينا – أنا ومن معي-، بعد 100 عام من الآن، بوصفنا من جيل الآباء المؤسسين، لشركة محتوى كبرى، تجاوزت عامها العاشر بعد المائة.. هذا بطبيعة الحال لو كانت جريدة المال..او ما تطورت اليه، موجودة بالفعل فى عام 2114.

(ملاحظة: بت مغرما جدا مؤخرًا…. بوصف «الآباء المؤسسين»!!)

قطعا لن تكون المال حينها صحيفة مطبوعة، أو حتى الكترونية، واكاد اجزم انها ستكون قد توقفت تماما عن بث الرسائل النصية الإخبارية منذ أكثر من 50 عاما، نظرا لانقراض أخر اجيال الهواتف المحمولة.

ربما….. ربما….. سيتجسد عملها الرئيسى حينها، فى صنع شرائح دقيقة جدا، لا ترى بالعين المجردة، وتركيبها بمكبس خاص فى قفا متلقى الخدمة»القارئ سابقا»، وتغذيتها بمئات الاخبار المصورة عن بعد، على أن يقوم المستخدم باختيار ما يعن له من اخبار، عبر شاشة صغيرة، تنشط عندما تصطدم بها أشعة خاصة، تنعكس من العين البشرية، بفعل الشريحة الصغيرة المثبتة فى رأسه، ثم يغمز بعينه اليسرى مثلا، ليطالع بالصوت والصورة أو نصيا لو رغب، ما يقع اختياره عليه من أخبار وموضوعات.

أرجو ألا يندهش أو يستنكر أحد ما شطح به خيالى، عن شكل خدمات المحتوى فى غضون قرن من الآن، يحفل الطريق اليه بملايين التغيرات العلمية الصغيرة والنوعية.. وإلا سيتحتم على من فعلها، فدهش أو استنكر، أن يوجه سهام التقريع والتوبيخ… بدلا منى لابراهيم عبد العاطى، ذلك الرجل الذى صنع خياله، من مجرد ايريال «متهالك» ومصطلحات غامضة وتصريحات تنشع نرجسية و«سوقية»، اسطورة علمية لاكتشاف وعلاج مجموعة من الامراض التى استعصى علاجها منفردة على علماء الكرة الارضية مجتمعين!!

■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■

فى هذا العدد تم الاتفاق على أن يولى زملائى فى التحرير جل اهتمامهم، لاستطلاع افضل الوسائل، لصناعة نموذج الصحفي»الفرد» النابه، بداية من معايير اختياره، مرورا بكيفية تنمية مهاراته، وانتهاء بخلق بيئة العمل اللازمة، لتضافر جهود فريق التحرير، لابداع منتج صحفى فائق الجودة.

هذا بكل تأكيد ما أشاركهم السعى إليه… ولكننى أيضا وبنفس الهمة- وبغض النظر عن أى تقصير من جانبى فى الماضى والحاضر – لا أدخر جهدا فى مشاركة زملائى بادارة الانتاج، فى التفكير، فى كيفية اخراج هذا المحتوى فى أفضل صورة ممكنة، تجذب القارئ.

كما لا يمكننى أن يغمض لى جفن، دون أن اتباحث بصورة شبه يومية مع زملائى بإدارات التسويق والاعلانات والاشتراكات والتوزيع، فى تطبيق انجع الوسائل للوصول بمنتجنا المعلوماتى المطبوع والالكترونى إلى شريحة القراء والعملاء المستهدفة، كما ينبغى الجلوس بصفة دورية مع ادارة الموارد البشرية لمناقشة، التعديلات المقترحة، فى الهياكل الادارية بالمؤسسة، وكل ما يختص بالعاملين «دون الدخول بالتفاصيل» فى الادارات المختلفة.

وفى نهاية الأمر، يتعين الذهاب بحصيلة ما سبق، إلى الادارة المالية، لتكييف جدول الاولويات مع الموارد والتدفقات النقدية المتاحة وفقا لجدولها الزمنى، والعودة مرة أخرى لباقى الادارات، لصياغة جدول أولويات نهائى.

لا يوجد فى مصر صناعة صحافة، بدليل اننا عندما شرعنا فى وضع سيناريو لتخارج بعض المساهمين، ودخول آخرين مع بدء الاعداد للاصدار اليومى فى أواخر عام 2006، لم نعثر على نموذج واحد لمؤسسة صحفية، يمكن الرجوع إليه، كمؤشر لتحديد أسلوب التقييم المالى فى قطاع الصحافة المطبوعة، ومن ثم الوصول لقيمة يمكن الاعتداد بها للصحيفة.. فاضطررنا.. أن نخترع من أنفسنا هذا النموذج!

من أجل أشياء من هذا القبيل.. خلق وصف «الآباء المؤسسين»

■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■

ولكن ماذا يوجد فى مصر؟

نرى صحفيين، وصحفيين جالبى إعلانات يتم تصعيدهم لإدارة المؤسسات، ومسئولى إعلانات، ومسئولى إعلانات جالبين للمواد التحريرية تتم ترقيتهم لمناصب تحريرية، ومصورين ومخرجين وموزعين إلى أخره، وفى الأغلب الاعم لا يكتفى كل منهم باداء مهامه الوظيفية، وانما يتسلل بخفة، بمباركة الرؤساء أو تواطئهم، لممارسة ادوار الاخرين… وفى الخلفية تلوح أطياف أو أشباح لعشرات من كليات واقسام الاعلام، يدرس الصحافة بها، أساتذة لم يزاولوا المهنة فى حياتهم، فيما عدا بعض الاساتذة المحترمين العاملين فى مجال الاخراج الصحفى.

على جانب التمويل، الوضع ليس أفضل حالا، يتوافر رجال أعمال يضخون استثمارات فى سوق الاعلام المصرى، لا بهدف انشاء مؤسسات صحفية، بقدر ما يعتبرونه تكلفة يجنون بها نفوذًا، وحصة اكبر فى مجال العلاقات العامة وادارة الصراعات مع المنافسين والدولة.

علاوة على ذلك، فان الجوانب التشريعية والتنظيمية والنقابية لا تقل سخفا وتخلفا عن واقع السوق، إن لم تكن سببا رئيسيا، فى تشوهها إلى هذا الحد.

فى هذا الاطار الحاكم…. لا تحدثنى من فضلك عن صناعة للصحافة.

■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■

والآن.. اسمح لى أن افاجئك بخبر سار:

إن كل هذه الأوضاع الملتبسة أو المتردية فى حقيقة الأمر، لا تعنى بالضرورة، حتمية أن تختفى كل هذه الكيانات الصحفية من على وجه البسيطة خلال سنوات، بل دعنى ازدك من الشعر بيتا، بان بعض هذه المؤسسات قد تنجح من خلال جيل» من الآباء المؤسسين»، وعبر سلسلة متوالية ومركبة من الممارسة واكتساب الخبرات فى انجاز التحول المطلوب، بشرط توافر الرغبة والارادة، وتوليد آليات لاعادة انتاج هذه الرغبة وتلك الارادة من جديد، لضمان انتقالهما للاجيال التالية.

ما سبق ليس مجرد رأى شخصى، وانما يبرهن عليه تاريخ عدد من كبريات الشركات الامريكية، كبوينج، وثرى ام، وسيتى كورب، وول مارت، والتى تأسست فى أعوام «1915-1902-1812-1945» على الترتيب، ونجحت عبر مراحل مختلفة من النجاح والفشل – يصعب التطرق لتفاصيلها فى هذه المساحة-، أن تتطور وتصل كل منها إلى ما يزيد على احجام دول صغيرة مجتمعة، بفضل أجيال مؤثرة وملهمة من «الآباء المؤسسين».

■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■ ■

يعتنق البعض مذهب استئجار طبول العلاقات العامة لصياغة أسطورة عن مجد شخصى زائف، ذلك الذى حتى لو تحقق فى الفضاءين الخاص والعام، فلن يتبقى منه لمؤسسته، ما يسمن من جوع بعد رحيله شىء. و يمنى آخرون أنفسهم أن يؤدى التصاقهم المهين بأشباه رؤساء وقادة ورجال، بأن يشير ظهورهم المتكرر فى صور الفوتوغرافيا ولقطات الفيديو التاريخية، لانهم قد عبروا عبورا مؤثرا فى سوق الصحافة، هؤلاء لن يتذكرهم كثيرون.وستفضحهم حتما كتب السير الذاتية والتقارير السرية لاجهزة الاستخبارات… من أجل ذلك كله وما هو اكثر منه… أحرص وزملائى جاهدين… أن يأتى ذكرنا – مع غيرنا – فى دراسات متعمقة لصناعة الصحافة المصرية والاقليمية.. لابد أن تخرج للنور يوما.. بوصفنا نمثل جيلا مؤثرا من «الآباء المؤسسين».

فمن يدرى؟! 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »