جولة كلينتون ومأزق جهود السلام

شارك الخبر مع أصدقائك

 السفير / إسماعيل حافظ

قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بجولة في المنطقة استغرقت 5 أيام في الفترة من 10/31 إلي 11/4 بهدف دفع جهود السلام واستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، وصحبها في الجولة جورج ميتشيل المبعوث الرئاسي الأمريكي للسلام.

1- بدأت كلينتون جولتها بلقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس »أبو مازن« في أبو ظبي في 10/31 وخلال محادثاتهما نقلت كلينتون للرئيس عباس وجهة النظر الإسرائيلية التي ترفض الوقف بشكل كامل لبناء المستوطنات في الضفة الغربية واستثناء القدس من أي قيد علي إقامة المستوطنات، ورغم تأكيد كلينتون ان الموقف الأمريكي يعارض النشاط الاستيطاني باعتباره غير شرعي، إلا أنها دعت السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات مع اسرائيل دون شروط مسبقة، مع وعد أمريكي بالعمل علي إقامة دولة فلسطينية مستقلة خلال عامين، مؤكدة رفضها ضم إسرائيل للقدس.

ومن جانبه رفض الرئيس الفلسطيني قبول الموقف الاسرائيلي، وطالب كلينتون بالضغط علي اسرائيل لتنفيذ التزاماتها بوقف كامل للاستيطان وفقاً لخطة خريطة الطريق الدولية، والعمل علي تنفيذ وعود الرئيس أوباما في شأن وقف الاستيطان، والكشف علناً عن الجانب الذي يعرقل عملية السلام واستئناف المفاوضات وهو اسرائيل، وشدد عباس علي خطورة الاجراءات الاسرائيلية الجارية في القدس، داعياً الي الدخول في مفاوضات الحل النهائي لقضايا القدس والمستوطنات واللاجئين والمياه والأمن، مؤكداً أنه لا سلام في المنطقة دون القدس ووقف الاستيطان واستئناف المفاوضات من حيث انتهت مع حكومة اولمرت السابقة، ووفقاً للمرجعيات التي أطلقت علي أساسها المفاوضات وعلي أساس جدول زمني محدد، ورفض عباس إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة.

2- وانتقلت كلينتون عبر ذلك مباشرة الي القدس المحتلة، والتقت نتنياهو، ووزير الدفاع باراك ووزير خارجيته ليبرمان لعرض الموقف الفلسطيني الرافض لما تعرضه اسرائيل، ولكن نتنياهو تمسك بموقفه وألقي اللوم علي الفلسطينيين لاستخدامهم موضوع الاستيطان للتهرب من استئناف المفاوضات، مدعياً ان وقف الاستيطان لم يكن شرطاً مسبقاً للمفاوضات السابقة مع الفلسطينيين علي مدار الـ 16 عاماً الماضية منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993، معتبراً أن الطلب الفلسطيني أمر جديد وتغيير في السياسة الفلسطينية لا تساعد السلام، ودعا الي استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة.

وفي موتمر صحفي مشترك أثنت كلينتون علي موقف نتنياهو من تقييد الاستيطان ووصفته بأنه »غير مسبوق«، وكررت دعوتها لاستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، بما يفهم منه ضمنياً توجيه لوم الي الفلسطينيين بوضع شروط مسبقة وبالتالي عرقلة المفاوضات.

3- واصلت كلينتون جولتها بزيارة المغرب في 11/2 لحضور اجتماع منتدي المستقبل، وعلي هامش المنتدي اجتمعت بعدد من وزراء الخارجية العرب »السعودية – المغرب – قطر – الإمارات – الكويت – عمان – الأردن« إضافة الي ممثلي مصر والعراق، في محاولة للتخفيف من وقع تصريحاتها في اسرائيل التي أحدثت أثرا سيئا لدي الفلسطينيين والدول العربية، والسعي لدفع الدول العربية المعتدلة الي تليين موقف الرفض الفلسطيني، وقالت كلينتون ان الشرق الاوسط يشكل مصدر قلق كبير يتجاوز المنطقة، مؤكدة ان واشنطن تريد التوصل الي اقامة دولتين اسرائيلية وفلسطينية، وان من المهم ان يعمل كل طرف علي تحقيق هذا الهدف، وفي مؤتمر صحفي بعد محادثاتها مع ملك المغرب في 11/3 أكدت ان موقف ادارة الرئيس أوباما لم يتغير، والنشاط الاستيطاني غير شرعي، واعتبرت ان ما يقوم به الفلسطينيون في المجال الامني مهم، مشيرة بشجاعة الرئيس عباس في تنفيذ الاجراءات الامنية، مؤكدة التزام واشنطن بتحقيق السلام.

لكن الوزراء العرب الذين التقوا بكلينتون جددوا رفضهم التطبيع مع اسرائيل، وطالبوا ادارة أوباما بالضغط علي اسرائيل للوقف الكامل للاستيطان وتهويد القدس قبل أي دعوة لاستئناف المفاوضات.

من جهة ثانية أعرب الامين العام للجامعة العربية عمرو موسي في 11/2 عن خشيته من أن تكون جهود الرئيس أوباما لاستئناف مفاوضات السلام تتجه نحو الفشل بسبب قضية المستوطنات.

4- بعد ذلك، قررت كلينتون ان تقوم بزيارة مصر- لم تكن علي جدول أعمال جولتها – للاجتماع بالرئيس حسني مبارك في 11/4 طلباً لمساعدة مصر، بعد أن ادركت تعثر جولتها في إحداث اختراق ودفع مفاوضات السلام. وفي مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط، سعت لطمأنة الفلسطينيين والدول العربية بجدية موقف ادارة اوباما من تحقيق السلام، فأشادت أولاً بالعلاقات المصرية – الامريكية مؤكدة ان مصر شريك اساسي للولايات المتحدة في الشرق الاوسط وعلي المستويين الاقليمي والدولي، ثم شرحت الموقف الامريكي وقالت إنها أكدت للرئيس مبارك، ان الرئيس اوباما، ومبعوثه الخاص للسلام ميتشيل، وهي ملتزمون تماماً رسمياً وشخصياً بتحقيق »حل الدولتين« والوصول إلي »سلام شامل« بين اسرائيل وكل الدول العربية المجاورة، وانهم يعملون بكل جد لمساعدة الاطراف علي »الجلوس الي مائدة المفاوضات لتحقيق اهدافنا المنشودة«. وشددت علي أن السياسة الامريكية بشأن المستوطنات »لم تتغير«، وان واشنطن مازالت تري انها »غير شرعية«، وانها مقتنعة أنه من الافضل إنهاء كل النشاطات الاستيطانية الحالية والمستقبلية، واعتبرت أن العرض الاسرائيلي بتجميد جزئي ليس هو ما تفضله الولايات المتحدة لكنه خطوة علي الاقل توضح ان هناك تحركا في اتجاه قضايا الحل النهائي والتي بالتفاوض حولها سيتيح وضع نهاية للنشاطات الاستيطانية، وكررت ما قاله الرئيس اوباما، من أن الولايات المتحدة تعتقد بضرورة اقامة دولة فلسطينية مستقلة علي الاراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، دولة حقيقية وسيادة حقيقية بحدود تسمح للفلسطينيين بأن يتخذوا بانفسهم القرارات التي تتعلق بمصيرهم، واوضحت أنها ناقشت في مصر مسألة تقديم ضمانات للفلسطينيين في شأن السقف الزمني وأسس المفاوضات.

من جانبه قال الوزير ابو الغيط إن مصر تؤيد هذا الموقف الامريكي »الذي اوضحته كلينتون« والذي يعكس الاقتناع بدولة فلسطينية قادرة علي كامل الاراضي المحتلة عام 1967 بحيث تعود الارض بنسبة %100 الي الفلسطينيين ولو من خلال تبادل اراض وان تكون القدس الشرقية عاصمة لها. وأوضح ان كلينتون اكدت للرئيس مبارك تمسك بلادها بعدم شرعية الاستيطان ورفض استمراره، لكن المشكلة تكمن في الجانب الاسرائيلي الذي لم يتجاوب مع الرغبات الأمريكية في هذا الشأن، واعتبر الوزير المصري ان ذلك يشكل معوقاً رئيسياً أمام استئناف مفاوضات السلام، وشدد علي ان الرؤية المصرية ترتكز علي ضرورة النظر الي »نهاية الطريق« بحيث لا يتم إهدار الموقف في التمسك بهذا الامر أو ذلك الامر لانطلاق عملية التفاوض. وطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بتشجيع الاطراف المعنية علي الدخول في هذه العملية ضمن أسس واضحة يتم الاعداد لها بشكل جيد.

وأوضح الوزير المصري في مقابلة مع قناة تليفزيون »العربية« ان ما قصده بالتركيز علي »نهاية الطريق« هو »تحديد الحدود« »للدولة الفلسطينية« حتي يمكن معرفة الي أين نتجه.

5- لكن البعض اخرج تصريحات ابو الغيط في المؤتمر الصحفي مع كلينتون عن سياقها، مدعياً ان مصر غيرت موقفها وأنها تطالب الفلسطينيين بأن يبدأوا فوراً المفاوضات بغض النظر عن أي شيء آخر، وهو ما اعتبره أبو الغيط في تصريح له 11/5 ترجمة وتفسيرا خاطئين وبسوء نية لتصريحاته، مؤكداً ان المفاوضات تأتي اما بالتجميد الكامل للاستيطان وهو ما تستمر مصر في المطالبة به، أو إذا تم الحصول علي ضمانات قاطعة »أمريكية ودولية« بأن الدولة الفلسطينية تقوم علي خطوط 1967 بما فيها القدس، وعندئذ تكون القضية قد حسمت لمصلحة الفلسطينيين، وعندها تبدأ المفاوضات والمجتمع الدولي يناصرهم من خلال قرار لمجلس الأمن.

لكن من المؤسف أن المتحدث الرسمي باسم الخارجية الامريكية صرح في 11/5 اجابة علي سؤال حول قضية الضمانات الامريكية التي تطالب بها مصر ودول عربية باقامة دولة فلسطينية مستقلة علي حدود 1967، قائلاً: هذه قضية تترك للطرفين »الفلسطيني والاسرائيلي« لحلها.. وأن ما نريده من اطراف النزاع هو أن يجلسوا سوياً ويناقشوا هذه القضايا.

6- وبانتهاء جولة كيلنتون، التي فشلت في الدفع الي استئناف المفاوضات، فان الرئيس الفلسطيني الذي اختار طريق الاعتدال والتفاوض السلمي مع الاسرائيليين بقصد إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، خرج ليعلن في 11/5 أنه لا يرغب في الترشح لرئاسة ثانية في يناير المقبل 2010 وبرر ذلك بالتعنت الاسرائيلي ومحاباة الولايات المتحدة لموقف اسرائيل.

7- وفي حال انسداد طريق التفاوض واصرار الرئيس عباس، علي موقفه بعدم الترشح للرئاسة وانسحابه من قيادة العملية السياسية علي الجانب الفلسطيني، فسوف يشتد مأزق جميع الاطراف المعنية بقضية سلام الشرق الاوسط فلسطينياً وعربياً واسرائيلياً وأمريكياً بالاضافة الي اللجنة الرباعية الدولية، وسوف يستوجب ذلك إعادة النظر في مواقف الاطراف خاصة ادارة أوباما واسرائيل، والخروج باستراتيجية ومواقف فلسطينية وعربية لفرض وتحقيق السلام، وهناك خيارات استراتيجية ينبغي بحثها بجدية والتشاور حولها بعناية بالغة، وطرحها إذا لزم الامر في الوقت المناسب، ومنها اللجوء مباشرة الي مجلس الامن لاستصدار قرار يعترف باقامة الدولة الفلسطينية المستقلة علي خطوط 4 يونيو 1967، ومنها كذلك اعلان السلطة الفلسطينية أو الحكومة الفلسطينية – بعد استكمال بناء المؤسسات الفلسطينية – قيام دولة فلسطينية مستقلة »من جانب واحد« والحصول علي اعتراف دولي رسمي من مجلس الأمن بهذه الدولة وحدودها، والزام اسرائيل بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية التي جري احتلالها في حرب 1967.

شارك الخبر مع أصدقائك