جوار الإسلام والمسيحية فى بر مصر (2)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

شدتنى روايات موسى صبرى، وغيرها كثير لا يتسع له هذا المقام، إلى العودة إلى ما كتبته سلفًا عن جذور هذا «الإخاء الدينى» فى مصر..

على مدى أكثر من عشرين عامًا، كتبت كثيرًا عن الجماعة الوطنية، وجمعت ما كتبته فى كتاب صدر سنة 2008، ثم أعيد نشره، بعنوان «الوحدة والجماعة الوطنية»، ضم فصولاً عن الإسلام واحترامه كافة الرسالات، وعن كون الأديان «هداية، لا أمجاد»، وبراءة الأديان وبنيانها وتعاليمها من أسباب الاحتقان، وإنما تأتى السحابات من خارج الدين، وكيف ثبتت الوحدة الوطنية فى مصر أمام أقوى الأعاصير، كما ضمت فصلاً عن «محبة المسيح» فى نسيج الإسلام والمصريين.

من مخزون الذكريات، استخرجت من فصول هذا الكتاب الذى جاوز توزيعه المعدلات المعتادة للتوزيع المعتاد، وهذه أمارة على شوق المصريين ـ مسلمين وأقباطًا ـ لما يضيف إلى وحدة الجماعة الوطنية، ويحفز روح التآلف التى إعترضتها عوارض. استخرجت من مخزون الذكريات، بمقال «فى محبة المسيح» وكان قد نشر بالأهرام 5/ 4 /2010 ـ ذكريات ترجع الآن ـ إلى نحو سبعين عاما.. كنت فى الرابعة من عمرى، حين ألحقنى أبى مع أختى الكبرى ـ رحمهما الله ـ بمدرسة الراهبات Notre dam des apotre بشبين الكوم، ثم ألحق فى العام التالى شقيقى المرحوم فاروق، ثم شريف، ومن بعدهما الأختين الصغيرتين الباقيتين من عنقود أولاده آنذاك.. كان النظام الذى إلتزم به أبى، وهو مسلم شديد الالتزام بالإسلام، ومتنور يفهم الإخاء بين الأديان.. أن تستمر البنات فى مدرسة الراهبات حتى الحصول على شهادتها، بينما يمكث الصبيان بها لعامٍ واحد ينتقلون بعده إلى المدارس العربية الأميرية..

لازلت أذكر رغم مرّ السنين كيف كان الالتحاق والتعامل بمدرسة الراهبات خاليا من أى حساسيات من أى من الجانبين، وكيف كانت تمضى الأمور فى سلاسة قوامها احترام الأديان، ولازلت أذكر أن أطباء الأسرة، على كل التخصصات، كان حافلا ـ آنذاك ـ بأسماء مسيحية إلى جوار أسماء إسلامية.. الدكتور العجوز جورجى ياتريدس الحكيم الباطنى اليونانى الأصل، والدكتور ناشد عبد المسيح والد صديق العمر أسعد، والدكتور رياض سركيس، وإلى جوارهم الدكتور محمد مبارك، والدكتور محمد أبو باشا، والدكتور فتحى الشاذلى.. وفى طب الأسنان الدكتور نقولا تادرس، إلى جوار الدكتور عمر سعد.. لا نميز بين أحد وآخر لدينه.. مثلما لا نميز بين صيدلية وأخرى لديانة صاحبها، كذلك كان الحال بين المدرسين والأصدقاء.

درجنا إذن على محبة السيد المسيح والمسيحيين، وتعلمنا على مر الزمن، ومراجعة ما ورد فى الأناجيل المسيحية، وفى القرآن الحكيم ـ أنه لا عداوة بين الإسلام والمسيحية، فالمسيحية قوامها المحبة والسلام، والإسلام يحترم كافة الديانات وينبذ كل أنواع العصبية ويدعو للسماحة والإسماح.. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُـم مِّن ذَكَـرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُـمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات 13) .. وفى الحديث: «كلكم لآدم.. وآدم من تراب.. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.» يتسامح الناس، ويتسامح المتدينون، حين يدركون أن أصلهم واحد، وأن انتماءهم إلى شجرة واحدة.. إلـى ذلك لفت القرآن الحكيم، حين نوه فى العديد من آياته إلى أن الناس جميعاً ينتمون إلى أصل واحد ونفس واحدة.. « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء» (النساء 1) .. «وَهُـوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ».

(الأنعام 98).. «هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا.» (الأعراف 189).. هذا التنبيه القرآنى المتكرر إلى أصل الإنسانية الواحد، تنهدم به نعرات العنصرية والعصبية، وتتسع الباحة الإسلامية الوارفة إلى الناس جميعا على سنة الهداية والاسمـاح.. لا معيار للمفاضلة إلاّ بالعمـل والتقوى..

لم يحضنا الإسلام ـ على مخاصمة الأديان أوأهلها، ورأينا رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتزوج ويبنى بصفية اليهودية وبماريا القبطية المصرية أم ولده إبراهيم الذى رحل عن الدنيا طفلا.. وقرأنا ونقرأ ونتعلم من القرآن أن طعام أهل الكتاب والزواج من الكتابيات حل للمسلم، لا تحريم فيه ولا تثريب عليه «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ» (المائدة 5).

من يستقطر التقاليد المصرية يجد هذه المحبة متجذرة فى أصولنا المصرية ـ إسلامية كانت أو مسيحية، ويلحظ أنه فضلا عن توقير القرآن للأنبياء كافة، وللسيد المسيح عليه السلام خاصة، فإنه قد ترسخ فى نفوس المسلم دلالة تسمية سور كاملة فى القرآن الحكيم بأسماء الأنبياء السابقين وأسرهم، من مثل سور: نوح، وإبراهيم، ويونس، وهود، ويوسف، ومريم، وآل عمران، ولذلك فقد شببنا لا نفرق بين المزارات الإسلامية والمزارات المسيحية، وظلت السماحة المصريـة حاضنة رءومة لهذه المحبة.. تراها فى المزارات المسيحية التى صارت أيضا مزارات للمسلمين فى مصر.. مزارات سانت كاترين، والقديس مار جرجس، والقديسة دميانة بالدقهلية، وسانت تريز بشبرا، ودير المحرق بأسيوط وغيرها، مزارات مسيحية يوقرها ويزورها ويتبرك بها المسلمون..

إنحفرت هذه المبادئ مستقاة من القرآن فى نسيج المصريين، وانطبعت بها حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فلم تعرف فارقًا بين مسلم ومسيحى.. تجد بين المسلمين أسماء نوح وموسى ويعقوب وعيسى وداود وسليمان ويوسف وإسحق وهود ويونس وهارون وعمران ومريم وشعيب، بل تجد هذه الأسماء متجاورة للشخص الواحد مع اسم محمد، وعلى.. فتجد فى الاسم إسحق أو عيسى أو يعقوب أو داود، إلى جوار «محمد»، و«على» و«عمر».. وتتصفح سور القرآن المجيد، فتجدها تتحدث بأحلى كلام عن السيد المسيح، وعن باقى الأنبياء، وعن السيدة مريم العذراء، وها نحن نرى كثيرًا من القبط يستمعون فى توقير وإجلال لآيات القرآن المجيد..

إن ما نتبادله الآن من تهانى مع الأحباب والإخوة والأصدقاء والزملاء والجيران المسيحيين، ليس من قبيل أداء الواجب، وإنما هو تعبير صادق صادر من الأعماق عن هذه الأواصر والوشائج الحميمة، ونابع مما نحمله فى صفحات وجداننا من «محبة للمسيح».

شارك الخبر مع أصدقائك