رجائى عطية

جوار الإسلام والمسيحية فى بر مصر (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

 رجائى عطية

وانتهى الجهاز من إصدار أوامر الإسناد الخاصة بتنفيذ 201 عمارة سكنية تضم 4824 وحدة ضمن المشروع الاجتماعى بتكلفة 600 مليون جنيه، تتولاها شركات زايد، والصفا والمروة، والمجموعة المصرية الدولية، وإميكو، على أن يتم الانتهاء منها بالكامل خلال سنة ونصف السنة.

تأتى هذا الأسبوع، مناسبتان متجاورتان مقدستان، يحتفل بهما المسلمون والمسيحيون، احتفالاً يكاد يكون مشتركًا، يعبر عن تجاور الديانتين فى بر مصر وزهاء أربعة عشر قرنًا، غلبت فيها فى النهاية علاقات الجوار والتآخى، على دعاوى الانحياز أو التعصب أو إنكار الآخر.

تحل يوم السبت 12 ربيع الأول 3 يناير، ذكرى مولد الرسول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، ويحل الأربعاء 7 يناير الاحتفال بمولد المسيح عليه السلام.. فإذا كان التقارب زمنًا بين المناسبتين رهين بمصادفات الفروق بين التاريخ القمرى الهجرى والتاريخ الميلادى، فإن الجوار المكانى ثابت ممتد، أتى ويأتى نتيجة فهم مشترك تشكل على مدار سنين، تخللتها نسائم أو رياح متفاوتة، حتى استوت رغم كل شىء بتفهم ووعى الفاهمين لحقيقة رسالة الأديان، المقدرين إلى أن أصلها فى النهاية واحد. 

وقد تصادف قبل أن أتلقى تنويهًا بأن المصور خصص هذا العدد للمسيحية والأقباط فى مصر أن كنت أقرأ فى مذكرات الأستاذ موسى صبرى «50 عامًا فى قطار الصحافة».. وربما لا يعرفه كثيرون من جيل الشباب فقد توفى فى 8 يناير 1992، قبل أقل من عام على نشر هذه المذكرات 1991.. وكان نجمًا لامعًا من نجوم الصحافة، تربع لسنوات على عرش أخبار اليوم رئيسًا لمجلس الإدارة والتحرير. 

طالعت بالمذكرات التى تراخت قراءتى لها طويلاً، مشاهد رواها القبطى موسى صبرى، تكشف عن عمق الجيرة والإخاء بين المسيحية والإسلام فى ربوع مصر وبين المصريين.. يروى أن أمه المحبة للكنيسة البروتستانتية كانت متشددة، على عكس أبيه المتسامح، والذى كان أول من حدثه عن سعد زغلول، والأحزان والدموع التى ملأت مصر كلها عند وفاته، وروى له أنه كانت لديهم سيدة تغسل الملابس عندما جاء نبأ وفاة سعد، فتركت الغسيل إلى الشارع تصيح وتلطم الخدود..

يروى موسى صبرى فى تقديم مذكراته أن الإذاعة كانت مقصورة فترة طفولته وصباه على بعض الأحاديث، والقرآن الكريم، وبعض الأغانى.. ويضيف: «وقد استهوانى ترتيل القرآن كثيرًا.. ولكن أمى كانت تقفل الراديو فى غضب.. وكانت تنهرنى، وكانت تقول «آدى آخر لعبك مع ولاد المسلمين».. ورفضت منها هذا التدخل فيما أحب وما لا أحب.. وكنت قد تجاوزت العاشرة من عمرى.. وكان ردى على ذلك، أننى اشتريت مصحفًا وبدأت أقرأ فيه.. ونهرتنى.. وطلبت من أبى أن يعاقبنى، ولم يستجب لها».. 

يضيف موسى صبرى أن أمه حينما وجدته بعد ذلك يضع المصحف تحت وسادة سريره، لم تنهره، واكتفت بأن وضعت هى إلى جوار المصحف إنجيلاً، وتوددت إليه ليقرأ الإنجيل.. وأغرته بالذهاب إلى مدرسة الأحد التابعة للكنيسة.. وهناك استمع إلى المواعظ وإنشاد التراتيل الدينية على الموسيقى، ويضيف «واستهوانى ذلك أيضًا، ولكنه لم يحجب استمتاعى بسماع القرآن فى الراديو.. وأخيرًا تقبلت أمى ذلك، ولم تعد تقفل الراديو.. وبدأ يخرج من وعيى الباطل شعور كنت أعبر عنه.. بأن كله كلام ربنا.. الإنجيل والقرآن.. ونما فى أعماقى هذا الشعور، لأننى رأيت آيات القرآن تحض على الخير والفضيلة والصدق وتنهى عن المباذل، وهذا نفس ما أقرأه فى الإنجيل.. فلماذا التفرقة ؟.. ونما هذا الشعور عندما دخلت الجامعة عام 1939، وبدأت أمارس الوطنية، وأستمع إلى مكرم عبيد باشا، ويدوى فى أذنى شعار الدين لله والوطن للجميع «أنا مسيحى دينًا ومسلم وطنًا». 

تمضى بموسى صبرى الأيام، فيعتقل عام 1943 فى معتقل الزيتون، بسبب مساهمته فى توزيع الكتاب الأسود الذى وضعه مكرم عبيد عن انحرافات حكومة الوفد، ويتصادف أن يلتقى فى المعتقل بأنور السادات الذى صار بعد ثلاثين عامًا رئيسًا لمصر، وبجلال الدين الحمامصى الكاتب الصحفى المعروف.. وفى المعتقل، يحكى لنا موسى صبرى أنه طلب من الأستاذ الحمامصى مصحفًا وبه تفسير الآيات «فأحضره لى من مكتب والده كامل بك الحمامصى الذى كان يزوره ويقدم له كل ما يحتاج إليه من كتب.. وكان يملك فى منزله مكتبة كبيرة.. وحفظت فى المعتقل نصف القرآن.. وكنت أقرأه فى فترة الصباح، وأجوده، وأتفهم التفسير.. وأحفظه». 

وبعد أن هرب موسى صبرى مع السادات من المعتقل، ولذلك قصة ربما رويتها عنه فيما بعد، وقبض عليه بعد فترة من هروبه، وأودع سجن الأجانب لفترة، التقى موسى هناك بالشيخ أحمد حسن الباقورى المدرس بالأزهر حينئذ، فاقترب من هذا الرجل الذى صار أخًا أكبر له، ونقل معه من سجن الأجانب إلى معتقل «ماقوسة» فى المنيا، واستمرت صلته بالباقورى حتى وفاته، وكان هو الشاهد على عقد زواجه عام 1958 فى كنيسة مصر الجديدة، وكان الشاهد أيضًا عام 1985 على عقد زواج ولده الأكبر المهندس أشرف فى كنيسة الجيزة. 

كانت هذه مصر، وكانت هذه هى الروح السائدة بين الأقباط والمسلمين. لم يتوقف موسى صبرى على ما رواه عن الشيخ الباقورى، وإنما قال عنه «هذا الرجل العظيم، وهو صورة مضيئة تمثل الفهم الحقيقى لرسالة الأديان، وتمثل سماحة الإسلام قولاً وعملاً وسلوكًا.. وقد وهب جهده الأكبر للدعوة إلى تعاون الأديان لبناء المجتمع المثالى الذى نرجوه.. وكان يفرق بين التعصب للدين، وهذا واجب كل متدين.. والتعصب فى ظل الدين، الذى يستغل الدين فقط لدعوة التعصب». 

يروى موسى صبرى كيف كان الشيخ الباقورى أبًا لزوجته، وأخًا أكبر له، وكيف أنه تعمق فى فهم رسالة الإسلام بعد معاشرته للشيخ الباقورى ولأسرته، ولصهره فضيلة الشيخ عبد اللطيف دراز وكيل الأزهر السابق، وأحد أبطال ثورة 1919.. ويروى كيف كان الباقورى فى السنوات الأولى لثورة يوليو 1952، يخطب فى كنائس مصر، داعيًا رائعًا للوحدة الوطنية، ومحاضرًا ممتازًا فى تلاقى الأديان على الخير والبر والفضيلة..
(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »