رجائى عطية

جميل بثينة .. جميل بن معمر (4)

شارك الخبر مع أصدقائك


تداول هذه الروايات من طبائع البادية العربية، فما فتئت منذ القدم ميدانًا فسيحا للقوالين والرواة، فهم عنصر فاعل فى حياتهم ومصالحهم وثقافتهم الأدبية.
وقد جرى العرف فى الروايات على وجهين : الرياء، والمدارة ؛ وأكثر ما يكون ذلك فى الغزل والفخر الحماسى. وهما قوام شعر البدوى وكل شعر على الفطرة.

فترى قبائل البادية تحظر الغزل ببناتها، ولكنها تحفظ للأعقاب منظومات شعرائها، ولو كان العرف الذى درجت عليه ذا وجه واحد، لما بقيت قصيدة غزلية من قصائد العشاق ولا خبر من أخبارهم.

أما الفخر الحماسى، فموضع الرياء فيه أنهم ربما يزدرون الشاعر، ولكنهم يفخرون بكلامه ما دام يوافق مرادهم فى المكانة. فربما ترتفع القبيلة بكلام شاعر وهو بينهم فى مكان غير رفيع !

وربما كان تحريمهم زواج الفتى ممن تغزّل فيهاضربًا من ضروب إزدراء الشعراء كما كان ضربًّا من حماية العرض.
إلاَّ أنهم كانوا فى الفخر أصرح منهم فى الغزل والنسيب.

وقد كان لجميلفيما يضيف الأستاذ العقادكان له حظه بين الحالين فى الغزل والفخر على السواء، فسارت الركبان بحديث هواه، وتجمع الأعراب تسمع أراجيزه فى الفخر بذويه.
وخرج جميل من حلبة الفن بنصيبين متناقضين :
فأما شخصه فقد جنى عليه شعره وحال بين غزله وبين صاحبته.
وأما شعره فقد ظفر من قبيلته بكل عناية فى وسع قبيلة بادية.
من هما : جميل وبثينة ؟
جميل، هو ابن عبد الله بن معمر من بنى غدرة من قضاعة التى تسكن بالحجاز على طريق مصر والشام. وأمه من « جذام » وهى تسكن فى الجانب الشمالى من هذا الطريق.
ويلتقى نسبه ونسب بثينة عند جدهما « حن بن ربيعة »، ثم يختلفان رغم القرابة فى القوة والثراء.
كان قومه أعز وأثرى من قومها.

ومن هيبة جميل بين هذه البطون، لم يستطع أهل بثينة أن يمسوه فى ديارهم رغم أن السلطان أهدر دمه إن وجدوه عندهم.
وقد وجدوه عندهم مرات، ومع ذلك لم يجترئوا على قتله مخافه الحرب بين العشيرتين !
ويرى الأستاذ العقاد أن الشاعر ربما استغنى بجاه أبيه ومالهعن الاتجاه إلى الولاة والأمراء بالمديح طلبًا للجوائز والهبات.
ويروى أن الوليد بن عبد الملك طمع فى أن يمتدحه فى سفره معه، فدعاه الوليد أن ينزل فيرجز : فقال جميل مفتخرًا بنفسه لا بالوليد :

أنا جميل فى السـنام من معـد
فى الذروة العلياء والركن الأشد
والبيت من سعد بن زيد والعدد
ما يبتغى الأعداء منى ولقــد
أضرى بالشتم لسانى ومـرد أقود من شئت وصعب لم أقـد
فغضب الوليد وقال له : اركب لا حملك الله !

ومن جملة سرته يظهرـ فيما يقول الأستاذ العقادأنه كان كما قيل صعبًا لا يقاد، أو كان على شىء من العناد والخيلاء. فكان يستعظم أن يجترئ عليه أحد بمناداته باسمه فى الطريق، وحدّث بعضهم أنه كان فى رهط من علية القوم عند شعب « سلع » بالمدينة..

«إذ طلع عليهم رجل طويلُ بين المنكبين، طوال، يقود راحلة عليها بزة حسنة.. فصاح به عبد الرحمن بن أزهر: هيا جميل ! هيا جميل !.. فالتفت جميل مستكبرًا يسأل : من هذا ؟ فلما عرف عبد الرحمن قال : قد علمت أنه لا يجترئ علىَّ إلا مثلك !.. ثم جلس فأنشدهم حتى بدا له أن يقوم فاقتاد راحلته وانصرف.

كانت البزة الحسنة، أو الأناقة الفاخرة بلغتنا المعاصرة، من لوازمه التى اشتهر بها ولاسيما فى المحافل، وروى أحد أصحابه أن عبد الملك بن مروان خلع عليه بردة قشيبة، فلقيه جميل فى الصلاة وهو يرتديها فسأله أن يعيرها إياه حتى يتجمل بها فى مراجزه بينه وبين جَّواس الشاعر، فأجابه صاحبه بأنها له كسوة لا عارية. ثم فوجئ يوم المراجزة بجميل عليه حلتان جميلتان لم ير مثلهما أحد قط، وإذ « البردُ» الذى أهداه إياه قد جعله غطاء لجمله!

والرجل الذى يتخذ خلعة من الخليفة يزهى بها صاحبهاليجعلها غطاء لبعيرهويلبس خيرًا منها، وهو ولا شك مفرط فى الخيلاء معنى بحسن البزة وأناقة الكساء!
ولا شك أن هذه الخليقة المطبوعة الجامحة التى لا يملكها صاحبها فى خيلاته، وغير عجيب مع هذا كله أن يتحامق ولا يستتر بحمقه.
وكيف يخفى حمق جميل وهو القائل :

لا لا أبوح بحب بثينة إنها أخذت علىّ مواثقـًا وعهودًا
أيقول هذا البيت رجل رشيد كائنًا ما كان قصده وذاهبًا ما ذهب فى معناه ؟
إنه كان مضرب المثل بحق على حماقة «كاتم السر » الذى يقسم ألا يبوح به، وهو فى قسمه على الكتمان قد باح!
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »