رجائى عطية

جميل بثينة.. جميل بن معمر (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

أما الحكاية الأخرى التى يستشهد بها الأستاذ العقاد، فتدور حول بيتين من الشعر لكثير بن عبد الرحمن : تلميذ جميل. قال كثير:

وما زلت من ليلى لدن طرّ شاربى

إلى اليوم أخفى حبها وأداجن

وأحمل فى ليلى لقوم ضغينةً

وتحمل فى ليلى على الضغائن

وخلاصة البيتين أن مصعبًا بن الزبير أبصر الشعبى الراوية المحدث المشهور فدعاه إلى منزله، ليرتفع السَّجْف (الستر أى الستار) فإذا بمصعب ابن الزبير وعائشة بنت طلحة (ابن عبيد الله).

قال الشعبى : فلم أر زوجًا كان قط أجمل منهما، ثم سألنى مصعب : هل تعرف هذه ؟

قلت: نعم!

قال: ومن هى ؟

قلت : سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة.

قال: لا، ولكن هذه ليلى التى يقول فيها الشاعر:

وما زلت من ليلى لدن طر شاربى… وأنشد البيتين

ثم قال : إذا شئت فقم!

فلما كان العشى دخل الشعبى المسجد، فإذا الأمير جالس على سريره فيه، فاستدناه وسأله : هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط ؟

فقال الشعبى : لا والله.

قال الأمير: أفتدرى لم أدخلناك ؟.. لتحدث بما رأيت.

ثم التفت إلى عبد الله بن أبى فروة فأمره أن يعطيه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبًا.

قال الشعبى : فما انصرف أحد بمثل ما انصرفت به : بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصار ثيابًا، وبنظرة من عائشة بنت طلحة !

(الكارة : ما يجمع فيه الثياب، والقصار : الذى يحور الثياب).

وهذه الحكاية شاهد على شأن الغزل فى ذلك الجيل.

فإذا كان مصعب ينشغل بالغزل هذا الانشغال، فقل ما شئت عمن سواه من المتفرغين للمنادمة وأحاديث الحسان والعشاق.

● ● ●

كان ذلك شأن الحواضر الحجازية.

ولم تكن البادية من حولها أقل غزلاً أو نظمًا وإن تباينت الأساليب والآداب.

ولا يفوت أن البادية كانت أفرغ للغزل وأرحب به مجالاً ؛ حيث يستعيض به البدوى والبدوية عن الملاهى الحضرية الغير موجودة فى البادية.

ولا زال هذا شأن الحواضر حتى الآن، حيث تتسع للمسارح والأندية والملاهى والمراقص والأغانى والمنتزهات وغيرها، ولا شىء من ذلك فى البادية.

فالغزل عند البدوى عوض عن كل هذه الأنواع المنوعة من أحاديث الرجل والمرأة فى المدينة العامرة.

بل وأيسر للمرء أن يتصور مدينة بغير شعر غزلى، فيما يقول الأستاذ العقاد، من أن يتصور بادية لا تنظم هذا الشعر.

ولأن «المنعة» من ضرورات الحياة بين أهل البادية، اشتهر البدو بمناعة «الحوزة» وأولها حماية المرأة.

وقوانين البادية فيما يقول كجميع القوانين عرضه للتشديد والتخفيف؛ وللرعاية والإهمال، والمحاباة والاحتيال.

«وكان ذلك كله يحدث فى القبائل الحجازية على عهد جميل.

«كان منها من استغنى عن القتال بعد أن تكفلت الدولة القائمة بصيانة الحقوق ومنع العدوان وجزاء المعتدين.

«وكان منها من طال فيهم الغنى كآل جميل، ومنها من قل غناهم وجاوروا من هم أقوى منهم كآل بثينة، وكانوا جميعًا يختلفون إلى الحواضر ويتشبهون بظرفائها وينكرون الخشونة على البادية وأهلها.

«فاتسع ميدان الغزل حاضرًا وباديًا، وظهر شعراء النسيب بنوعيه، تغنيًّا بامرأة واحدة كما يغلب على شعراء البادية، أو تغنيًّا بالحسان جميعًا كما يغلب على شعراء الحاضرة، وتهيأ العصر لطائفة من شعراء المدرستين على رأسهم عمر بن أبى ربيعة يتغنى بحسان مكة وكل حسناء تأتى إليها، وجميل بن معمر يتغنى بصاحبته بثينة ويعيش ويقضى نحبه على هواها».

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »