رجائى عطية

جميل بثينة .. جميل بن معمر (22)

شارك الخبر مع أصدقائك

«قائمة هوى»

روى أيوب بن عباية (وهو عيسى بن طلحة القرشى التيمى) قال: «خرجت من تيماء فى أغباش السحر، فرأيت عجوزًا على أتان، فتكلمت فإذا أعرابية فصيحة، فقلت: ممن أنت؟ قالت: عذرية.

فأجريت ذكر جميل وبثينة فقالت : والله إنا لعلى ماء لنا بالخباب وقد تنكبنا الجادة
(مستوى الطريق) لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز، وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثًا، فانحدروا ذات عشية إلى صرم (الجماعة القليلة من الناس) قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، فلم يبق غيرى وغير بثينة، إذ انحدر علينا منحدر من هضبة تلقاءنا. فسلم ونحن مستوحشون وجلون، فتأملته ورددت السلام فإذا جميل!

قلت: أجميل!
قال: أى والله؛

وإذا به لا يتماسك جوعًا، فقمت إلى قعب لنا فيه أقط (اللبن الجاف) مطحون، وإلى عُكة (الزق الصغير ) فيها سمن وُرّب (ما يطبخ من التمر) فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا. فأصاب منه، وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماءً باردًا فشرب منه وتراجعت نفسه.

فقلت له : لقد بلغت ولقيت شرًا فما أمرك؟

قال : أنا والله فى هذه الهضبة التى ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرصة. فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامد إلى مصر. فتحدثنا ساعة ثم ودعنا وشخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه، فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة:

صرح النعى وما كنى بجميل
وثوى بمصر ثواء غير قُفول
ولقد يجر الذيل فى وادى القرى نشوان بين مزارع ونخيل
قومى بثينة فاندبى بعويل
وابكى خليلك دون كل خليل

وتحدث من شهد موت جميل بمصر أن جميلاً دعاه فقال: هل لك فى أن أعطيك كل ما أخّلفه على أن تفعل شيئًا أعهده إليك!… إذا أنا مت فخذ حلتى هذه التى فى عيبتى فاعزلها جانبًا، ثم كل شىء سواها لك، وارحل إلى رهط بنى الأحب من عذرة، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتى هذه واركبها، ثم البس حلتى هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات:

صرح النعى وما كنى بجميل
وثوى بمصر ثواء غير قفول
إلى آخر الأبيات الثلاثة السالف بيانها.

قال الرجل: فلما واريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرنى به جميل، فما استتمت الأبيات حتى برزت إلى امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز فى دُجُنة وهى تتعثر فى مرطها حتى أتتنى فقالت : يا هذا ! والله لئن كنت صادقًا لقد قتلتنى، ولئن كنت كاذبًا لقد فضحتنى!

قلت : والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته. فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحى يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيًّا عليها ساعة، ثم قامت وهى تقول:

وإن سلِّوى عن جميل لساعةٌ
من الدهرِ لا حانت ولا حان حينها
سواءٌ علينا يا جميلُ بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »