رجائى عطية

جميل بثينة.. جميل بن معمر (18)

شارك الخبر مع أصدقائك

لا بأس من المبالغة فى إظهار الحب فى الغزل، فيبدى الأستاذ العقاد أن ما راجعه من شعر جميل، لا يستغرب مبالغته التى تندر فى شعره وشعر أبناء عصره. حيث يقول:

إذا ما دنت زدت اشتياقًا وإن نأت جزعت لنأى الدار منها وللبعد
أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد سواها وحب القلب بثنة لا يجدى
تعلق روحى روحها قبل خلقنا ومن بعد ما كنا نطافا وفى المهد
فزاد كما زدنا فأصبح ناميًا وليس إذا متنا بمنتقض العهد
ولكنه باق على كل حالة وزائرنا فى ظلمة القبر واللحد

ففى هذه المبالغة، فيما يقول الأستاذ العقاد «مسحة» من شطحات ابن الفارض وأضرابه، بيد أن المبالغة هنا تتسلسل وتندرج وتنمو على جذورها حتى تبلغ ذروتها بلا غرابة فيها ولا تناقض ـ فيما يقول ـ بين أعلاها وأدناها.

ولكن العقل والذوق يأبيان أن تنسب إلى جميل أبيات أخرى ضُمت إلى ديوانه، وأنه لو صح أن يقول جميل مثل هذه الأبيات التى أوردها الأستاذ العقاد ـ لتكررت نظائرها فى قصائده، حالة كون المحسنات من هذا الطراز إلى إدمانها.

«إن الرجل ابن زمانه فى معناه وصناعته، وله من الإمامة بين شعراء العشق فى ذلك الزمان مكان لم ينازع فيه، لأن عيوبه أقل من عيوبهم ومزاياه أظهر من مزاياهم، وشعره فى جملته يجمع خير ما قالوه».

إلاَّ أن هذا الاستشهاد قاصر على ما قاله معاصروه فى النسيب، ولا يتطرق ـ مثلاً ـ إلى الهجاء. فجميل لم يأت بطائل فى الهجاء ولو بالقياس إلى معاصريه.

مزاجان
أورد الأستاذ العقاد بالفصل السابق أن ما قد يبدو عند المقابلة بين شعر جميل وشعر عمر بن أبى ربيعة، إنما يرجع إلى «التباس بين فحولة المزاج وفحولة الشعر لا يثبت على التمحيص».

وهو هنا يعرض ببعض الوصف والتمييز لمزاج الشاعر الذى تتعلق به هذه الفحولة الفنية. وجملة ما يقال فى شعر جميل بسياق المقابلة مع عمر ـ أن جميلاً كان يحتاج إلى البأس والسيف فى معيشته وعشقه.. فهو بدوى يعيش مع أهله فى طريق تحميها الدولة وتكل هذه الحماية أحيانًا إلى سكانها من أهل البادية التى تتوسط بين الحجاز ومصر والشام.
وهو فضلاً عن ذلك عاشق مشغوف بامرأة واحدة لا تغنيه عنها غيرها، ولا شىء يمكن أن يصرفه عنها مهما لاقى فى ذلك من خطر ومجازفة.

بيد أنه لم يسمع شىء من ذلك على «عمر بن أبى ربيعة» ولم يكن بحاجة إلى القوة مرة واحدة، على رغم تعرضه للحسان أكثر من مرة بالإلحاف والتوسل والمطاردة، فرددنه بالحيلة أو بمحض الظهور مع بعولتهن، فيقنع عمر من الغنيمة بالإياب، ويتمثل المتمثلون:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقى مربض المستأسد الضارى

ولا غرابة فى ذلك، فقد كان عمر من أهل حاضرة يعيش حياته كلها فيها ولا تلجئه ضرورة إلى السلاح، وهو فى معظم ما يرتاده طالب جلسة ومحادثة، إن تيسرت فهى محض فكاهة ساعة ثم تنقضى إلى نسيان، وهى إن تعسرت فلا حاجة للسيف أو القوة فى هذا الميدان، فهذه الحسناء يغنى عنها ـ عنده ـ كثيرات من الحسان.

أما جميل فقد كان السيف فخره وفخر ذويه، ولم يفخر قط إلاَّ وتغنى بالمنعة وحماية الحرم والنساء، ومن قوله فى هذا المعنى:
نحن منعنا يوم أوْلٍ نساءنا ويوم أُفىّ، والأسنة ترعف
ويوم ركايا ذى الجذاة ووقعة ببتيان كانت بعض ما قد تسلّفوا
يحب الغوالى البيض ظل لوائنا إذا ما أتانا الصارخ المتلهف
(ترعف : تقطر دمًا، والركايا جمع ركية وهى البئر، وذو الجذاة وبتيان : موضعان)

ومن قوله فى أخواله جذام:
جُذام سيوف الله فى كل موطن إذا أزمت يوم اللقِّاء أزام
هموا منعوا ما بين مصر فذى القرى إلى الشام من حل به حرام
(أزام : شدة)

وقد تواترت الأنباء فى قصة عشقه لبثينة باقتحامه فى هذا السبيل وقلة مبالاته بأهلها المترصدين لقتله.
ومع أنه قد تكون بعض هذه القصص منتحلة أو مبالغًا فيها، فإن جملة القول الثابت أن حب جميل كان يتطلب مزاجًا فيه الجد والفحولة ولو كان «دور تمثيل» على مسرح من مسارح الفنون.

فالمزاج هنا حقيقة فنية ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ حتى وإن لم يكن بالحقيقة الطبيعية، ولا يبعد أن يكون جميل شجاعًا مقتحمًا كما جاء فى بعض أنبائه، إلاَّ أنه كان يقتحم وهو يعلم أنه آمن بذويه، ولا يخشى العاقبة إذا أدركه المتعقبون!
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »