سيـــاســة

ثورة أوكرانيا – مستقبل غامض ولكن لا عودة للوراء (2)

رمضان متولى على مدى الأيام القليلة الماضية تطورت الأزمة فى أوكرانيا على نحو خطير، وانتقل الصراع على السلطة بين جناحين فاشلين وفاسدين للطبقة الحاكمة إلى تهديد وشيك بالحرب وتقسيم البلاد التى تتوافر فيها كل عناصر الانقسام من الناحية الموضوعية. هرب…

شارك الخبر مع أصدقائك

رمضان متولى

على مدى الأيام القليلة الماضية تطورت الأزمة فى أوكرانيا على نحو خطير، وانتقل الصراع على السلطة بين جناحين فاشلين وفاسدين للطبقة الحاكمة إلى تهديد وشيك بالحرب وتقسيم البلاد التى تتوافر فيها كل عناصر الانقسام من الناحية الموضوعية.

هرب الرئيس الأوكرانى فيكتور يانوكوفيتش بعد فشل كل محاولاته فى قمع أو احتواء ثورة الميدان تاركا البلاد تعارك مخاطر الحرب الأهلية، فقد فشلت جهوده فى احتواء المعارضة بإقالة الحكومة ودعوتها للمشاركة فى حكومة جديدة، كما فشلت محاولته قمع الاحتجاجات بإصداره قانونا يقيد الحق فى التظاهر والاحتجاج والمعارضة مما تسبب فى زيادة حجم المظاهرات والاحتجاجات واتساع رقعتها وعنفها ولم يفلح معها قتل الشرطة عشرات المتظاهرين فى أيام قليلة.

بعد هروبه بقليل، ظهر يانوكوفيتش مجددا فى مؤتمر صحفى عقده فى روسيا وأعلن أنه الرئيس الشرعى للبلاد مطالبا موسكو بالتدخل عسكريا فى أوكرانيا لضرب معارضيه تحت دعوى مكافحة الفوضى، بينما تطالب الحكومة المؤقتة التى شكلت سريعا فى كييف، والموالية للولايات المتحدة وأوروبا، برأسه تحت اتهامات بالفساد المالى وقتل المتظاهرين.

دعوة يانوكوفيتش إلى تدخل روسيا عسكريا فى بلاده تكشف عن انحطاط الجناح الذى يمثله من الطبقة الحاكمة فى أوكرانيا الذى لا يخفى استعداده للتضحية بوحدة البلاد واستقلالها، حماية لمصالحه الأنانية الضيقة فى السلطة والثروة. ولكنه فى ذلك لا يختلف عن الجناح الآخر الذى سيطر على السلطة الآن فى كييف ويحظى بتأييد من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، رغم أن طرفى الصراع لا يترددان فى التلاعب بعبارات فارغة حول المحافظة على سلامة واستقلال الوطن ووحدة الشعب الأوكرانى!

يتمتع يانوكوفيتش وحزب الأقاليم الذى يرأسه بتأييد واسع من أباطرة رجال الأعمال فى الأقاليم الشرقية والجنوبية فى أوكرانيا التى تتحدث اللغة الروسية كما تعيش فيها أقلية روسية كبيرة نسبيا تشكل حوالى ربع سكان أوكرانيا ويتركز معظمها فى شبه جزيرة القرم التى يمثل فيها السكان من أصل روسى أغلبية ساحقة.

الصناعات الثقيلة من صناعة الصلب إلى الآلات والسيارات حتى مناجم الحديد والفحم تتركز فى شرق أوكرانيا وجنوبها، وقد انتقلت ملكية هذه المصانع من الدولة إلى حفنة قليلة من أباطرة رجال الأعمال عبر صفقات الخصخصة الفاسدة بعد انفصال أوكرانيا عن روسيا السوفيتية أوائل التسعينيات من القرن الماضى، وترتبط هذه الشركات والمصانع ارتباطا وثيقا بروسيا حتى الآن كمصدر وحيد تقريبا لاحتياجاتها من الطاقة وكسوق رئيسية لمنتجاتها، حيث إن ربع صادرات أوكرانيا ككل يعتمد على السوق الروسية.

الأراضى الزراعية فى شرق أوكرانيا من أجود الأراضى وأعلاها خصوبة فى العالم، وهى سلة غذاء أساسية لروسيا، مما يكشف عن اتساع المصالح الروسية فى هذه المنطقة علاوة على شبه جزيرة القرم التى تتمتع بحكم ذاتى ويمثل السكان من أصل روسى فيها حوالى %75 من إجمالى سكانها والنسبة الباقية تتوزع بين التتار والأوكرانيين. وتحتل هذه الجزيرة مركزا استراتيجيا مهماً بالنسبة للنظام الحاكم فى موسكو، وهى تقع على البحر الأسود وتوجد بها قاعدة للأسطول الروسى.

وقد تحركت روسيا سريعا بعد عزل يانوكوفيتش وقامت بإبرار 16 ألف جندى روسى على شبه جزيرة القرم، فى تهديد واضح بالحرب لم يستبعده فلاديمير بوتين فى مؤتمر صحفى عقده الثلاثاء الماضى عندما وصف عزل الرئيس الأوكرانى بالانقلاب على الدستور.

ومن الطبيعى فى هذا السياق أن ترفض الغالبية العظمى من سكان شرق وجنوب أوكرانيا دعاوى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، فرجال الأعمال الذين يسيطرون على شركات صناعية كبرى فى هذه المناطق، وعلى رأسهم امبراطور الصلب والإعلام رينات أخميتوف، يتمتعون بوضع احتكارى ونفوذ واسع على دوائر السلطة وصنع القرار يضمن لهم أرباحاً هائلة ويخشون من منافسة الشركات الأوروبية التى تطمع فى فتح أوكرانيا وأسواقها لصالحها، ما يهدد بتقويض المركز الاحتكارى والنفوذ السياسى لأباطرة الأعمال فى أوكرانيا، وبالتالى الأرباح الطائلة التى يجنونها نتيجة لذلك، كما أنهم يخشون من تهديد روسيا برفع أسعار الطاقة، وهو ما حدث فعلا فى وقت سابق، أو حرمانهم من أسواقهم التقليدية فيها. وقد هددت روسيا بفرض عقوبات على أوكرانيا إذا تم توقيع اتفاق مع الاتحاد الأوروبى، كما علقت برنامجاً للمساعدات المالية بقيمة 15 مليار دولار بعد هروب يانوكوفيتش وعزله من منصب الرئاسة بقرار من البرلمان فى كييف.

كذلك يرفض عمال المصانع الكبرى التى تتركز فى شرق وجنوب أوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى خشية من الفقر وفقدان وظائفهم نتيجة برامج التقشف وتحرير الأسواق التى تنطوى عليها اتفاقية الانضمام، علاوة على مخاوف سياسية جوهرية بسبب سيطرة حركات يمينية وقومية على المظاهرات والاحتجاجات المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلنطى بل وحركات فاشية صريحة مثل حركة “القطاع اليمينى” أو The Right Sector التى تقدمت الصفوف فى احتلال المبانى الحكومية والبرلمان خلال تصعيد الاحتجاج فى مواجهة يانوكوفيتش واستخدمت الأسلحة وقنابل المولوتوف فى مواجهة الشرطة وسيطرت على مجموعة حراس الميدان، وهى حركة لها علاقة قوية بالأحزاب الفاشية فى بريطانيا وفرنسا. وقد أجبرت هذه الحركات الفاشية والأحزاب اليمينية والقومية البرلمان الأوكرانى مؤخرا على إلغاء نص دستورى يعترف بالروسية لغة ثانية للبلاد بعد الأوكرانية، بما يمثل تهديدا صريحا لحقوق الأقلية الروسية والأوكران المتحدثين بالروسية فى مناطق شرق البلاد وجنوبها. وربما تكشف هذه الأحداث عن جانب من طبيعة الجناح الآخر من الطبقة الحاكمة فى أوكرانيا الذى يتركز نفوذه السياسى فى غرب البلاد ويتصدر قيادة الاحتجاجات والمظاهرات التى اندلعت فى نوفمبر الماضى عقب رفض يانوكوفيتش توقيع اتفاق الانضمام للاتحاد الأوروبى.

يانوكوفيتش وحزب الأقاليم الذى يرأسه، والذى يمثل نظام ما قبل الثورة البرتقالية فى 2004، لم يكن رافضا من حيث المبدأ انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبى، بل إن برنامج يانوكوفيتش الذى فاز على أساسه فى انتخابات الرئاسة فى 2010 يتضمن توقيع هذا الاتفاق، وظل يدافع عن الاتفاق حتى تحول للمناورة بين الاتحاد الأوروبى وروسيا سعياً للحصول على أكبر قدر ممكن من المعونات الاقتصادية بعد أن دخلت أوكرانيا أزمة اقتصادية عنيفة وأوشكت على الإفلاس بسبب تفاقم الديون وارتفاع أسعار الطاقة وانهيار معدلات النمو وانخفاض إيرادات الحكومة من الضرائب وتفاقم عجز الموازنة نتيجة التهرب الضريبى والفساد. وبينما تقدم الاتحاد الأوروبى بعرض أقل من مليار دولار من المساعدات مقابل حزمة من السياسات التقشفية يصعب تمريرها سياسيا، تقدمت روسيا بعرض مساعدات مالية سخية بلغت 15 مليار دولار، علاوة على ضمان إمدادات الغاز بأسعار تفضيلية مما دفع يانوكوفيتش إلى رفض الاتفاق مع أوروبا مفضلا الانضمام إلى الاتحاد الجمركى الذى تتزعمه روسيا.

بعد هذا القرار، عمدت المعارضة التى يتركز نفوذها فى غرب أوكرانيا وتمثل جناحا آخر من الطبقة الحاكمة من رجال الأعمال الفاسدين فى البلاد، بل ربما تتلقى دعما من نفس أباطرة الأعمال ممن يساندون الحزب الحاكم والمعارضة فى الوقت نفسه حماية لمصالحهم ونفوذهم السياسى – إلى استغلال رفض يانوكوفيتش توقيع اتفاق الانضمام للاتحاد الأوروبى فى تصعيد وتأجيج المواجهات مع النظام. وانضمت إلى المظاهرات جماهير غفيرة لأسباب مختلفة فى أغلب الأحوال عن مجرد الرغبة فى الانضمام للاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلنطى.

كانت للجماهير دوافع أكثر جوهرية للاحتجاج أهمها وحشية جهاز الشرطة والقمع البوليسى للمعارضين وشيوع الفساد والفقر والبطالة والظلم الاجتماعى وتدهور الخدمات العامة مما دفع ملايين الأوكرانيين إلى السفر للخارج بحثا عن الرزق والحياة الكريمة. إجمالى سكان أوكرانيا يزيد قليلا على 45 مليون نسمة، ويبلغ عدد العاملين فى الخارج منهم أكثر من 4 ملايين عامل.

وتتلاعب أحزاب المعارضة فى غرب أوكرانيا بأحلام فقراء الطبقة الوسطى والمهمشين بالسفر إلى أوروبا والحصول على فرصة عمل بأجور مرتفعة للخروج من دائرة الفقر فى بلد يعيش أكثر من ربع سكانه تحت خط الفقر، كما أنها تستخدم الدعاية القومية المعادية لروسيا التى تلقى قبولا واسعا فى مناطق أوكرانيا الغربية التى يتحدث سكانها اللغة الأوكرانية بسبب الإرث التاريخى للقمع والفساد للنظم الموالية لروسيا فى أوكرانيا.

وتعتبر المناطق الغربية مكانا خصبا للخطاب القومى والدعاية المؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى أيضا بسبب انتشار الصناعات الصغيرة وسكان المناطق الريفية فيها والمزارع الصغيرة بنسبة أعلى من المناطق الشرقية، كما أن ارتباطها اقتصاديا بروسيا أضعف كثيرا مقارنة بشرق البلاد، بل هى أكثر ارتباطا بأوروبا من الناحية الاقتصادية، ولهذا السبب وباستثناء كييف العاصمة، فإنها أقاليم فقيرة نسبيا من حيث نصيبها من إجمالى الناتج المحلى عند مقارنتها بالمناطق الشرقية، وتأمل أن يؤدى انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبى إلى جذب استثمارات جديدة إليها وتوفير فرص العمل لمواجهة البطالة المتفاقمة والتهميش الاقتصادى لقطاع كبير من السكان. وكان رفض يانوكوفيتش توقيع الاتفاق مع الاتحاد الأوروبى شرارة كافية لإشعال حريق لم تخمد نيرانه بعد فى هذه المناطق.

لكن أحزاب وحركات المعارضة التى تقود الاحتجاجات والتى قامت بتشكيل الحكومة والاستيلاء على الرئاسة بعد هروب يانوكوفيتش لا تمثل بديلا حقيقيا للنظام الحاكم فى أوكرانيا، ورغم حديثها عن ضرورة وحدة البلاد نجدها مستعدة إلى دفع أوكرانيا إلى أتون حرب عنيفة بل تقسيمها سعيا إلى تحقيق مصالحها الأنانية فى السلطة وحماية ثروات وأرباح داعميها من أباطرة رجال الأعمال الفاسدين الذين يسيطرون على موارد البلاد وخيراتها.

بعد هروب يانوكوفيتش مباشرة، انعقد البرلمان الأوكرانى فى كييف، والذى سيطر عليه حفنة من رجال الأعمال والأحزاب القومية واليمينية بعد تفكك التحالف الحاكم بزعامة حزب الأقاليم، باتخاذ قرار بعزل الرئيس، وتعيين رئيس البرلمان أولكساندر تورشينوف رئيسا مؤقتا للبلاد، وهو أحد قيادات حزب الوطن The Fatherland الذى تتزعمه يوليا تيموشينكو، التى تولت رئاسة الوزراء بعد الثورة البرتقالية المدعومة من الولايات المتحدة وأوروبا فى عام 2004، وهى إحدى سيدات الأعمال الأثرياء التى حكم عليها بالسجن بعد تركها الوزارة فى فضيحة فساد تتعلق بالتربح من صفقات الغاز، وقد خرجت من السجن إلى الميدان مباشرة بعد اندلاع الاحتجاجات ضد يانوكوفيتش واستقبلها المتظاهرون استقبالا فاترا، بعد تجربتها الفاشلة فى الحكم اثناء عهد الرئيس فيكتور يوشيشنكو – الذى سنعود إليه فيما بعد. وتدافع تيموشينكو وحزبها بقوة عن انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلنطى بما يعنيه ذلك من برامج تقشف قاسية واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، لكنها فشلت فشلا ذريعا أثناء توليها رئاسة الوزراء نتيجة الصراعات بين أجنحة الطبقة الحاكمة المختلفة علاوة على صراعها مع البرلمان ورئيس البلاد آنذاك يوشيشنكو، ما دفع الأخير إلى إقالتها وتعيين يانوكوفيتش نفسه رئيسا للوزراء فى 2006.

ويتولى رئاسة الوزراء فى الحكومة المؤقتة حاليا رجل الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولى فى أوكرانيا هو أرسينى ياتسينيوك، والذى قال عنه سفير أوكرانيا لدى الولايات المتحدة فى حديث تليفونى تم تسريبه مع فيكتوريا نولاند، مساعدة وزير الخارجية للشئون الأوروبية، إن ياتسينيوك من التكنوقراطيين الذين تحتاجهم الحكومة عندما تريد تطبيق برامج تقشفية صعبة دون اعتبار لموقف الناخبين وهو على أتم استعداد للاتفاق مع صندوق النقد الدولى. وبالتالى فرغم تدهور العملة الأوكرانية الهريفنيا بنسبة %16 خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، فإن ياتسينيوك على استعداد لتطبيق برامج الصندوق التى تتضمن زيادة فى الضرائب وأسعار الفائدة وتخفيضا كبيرا للعملة الأوكرانية أمام الدولار، بما يعنيه ذلك من ركود اقتصادى وزيادة كبيرة فى الأسعار واتساع رقعة الفقر فى بلد يعانى معاناة قاسية من ضعف النمو والفقر والبطالة.

ويسيطر على الحكومة الجديدة والمناصب المهمة حاليا، ومنها وزارة الداخلية، شخصيات تنتمى إلى حزب الوطن Fatherland الذى تقوده يوليا تيموشينكو، بالإضافة إلى شخصيات تنتمى إلى حزب سفوبودا اليمينى المتطرف الذى استحوذ على منصب القائم بأعمال النائب العام.

وهكذا، لا يجد طموح الشعب الأوكرانى فى التحرر والازدهار بدائل سياسية تعبر عنه، بينما تتلاعب طبقة حاكمة فاسدة ومترهلة بأحلامه، وتتناوب السلطة أحزاب وحركات معادية لتطلعات الجماهير بما يشبه كثيرا حال الثورة المصرية رغم تباين الظروف الموضوعية والديمغرافية بين البلدين.

فى الحلقة المقبلة نناقش تجربة هذه الأحزاب السابقة عقب الثورة البرتقالية – التى دعمتها الولايات المتحدة وأوروبا، وما آلت إليه من إعادة ترسيخ النظام القديم برموزه نفسها على يد فيكتور بانوكوفينش.

شارك الخبر مع أصدقائك