اقتصاد وأسواق

تنمية أفريقيا‮.. ‬مرهونة ببدائل فعالة للمعونات الخارجية

أيمن عزام   تزايدت مؤخرا حملات الدعاية عالميا لتقديم المعونات اللازمة لانقاذ القارة السمراء من مشكلات الفقر والجوع وسعت جهود الحكومات وحتي المشاهير الي مضاعفة قيمة المساعدات الحالية العالمية السنوية التي تبلغ 50 مليار دولار.   اكدت صحيفة »وول ستريت…

شارك الخبر مع أصدقائك

أيمن عزام
 
تزايدت مؤخرا حملات الدعاية عالميا لتقديم المعونات اللازمة لانقاذ القارة السمراء من مشكلات الفقر والجوع وسعت جهود الحكومات وحتي المشاهير الي مضاعفة قيمة المساعدات الحالية العالمية السنوية التي تبلغ 50 مليار دولار.

 
اكدت صحيفة »وول ستريت جورنال« في تقرير لها ان المعونات الاجنبية باب سحري لتفش الفساد في افريقيا وانها تذهب لجيوب الحكام، الامر الذي يلقي بعلامات استفهام حول جدوي تقديم هذه المعونات وضرورة استبدالها باجراءات اخري اكثر فاعلية واقترحت بدلا من وقف المعونات، الاتجاه بشكل اكبر للبحث عن وسائل اخري للتمويل مثل اصدار السندات ووضع نظام جيد للضرائب وزيادة الاعتماد علي التجارة واسواق المال.
 
تشير الدلائل الي ان المعونات زادت الفقراء فقرا والاقتصاد بطئا وضاعفت من اعتماد الدول الافريقية علي الاقتراض لدرجة الادمان واوقعتها في فخ التضخم واصبحت بفضلها عرضة لتقلبات اسواق العملة ووفرت مناخا غير جاذب للاستثمارات الاجنبية الممتازة كما انها زادت من احتمالات اندلاع النزاعات المسلحة، فهي تحسب ضمن الكوارث التي ابتليت بها القارة السمراء.
 
لا يستطيع احد انكار الدافع الاخلاقي وراء المساعدات وقدرتها علي تخفيف معاناة المنكوبين مثلما هو الحال بالنسبة للمتضررين من اعصار تسونامي، التي ضربت اسيا عام 2004 مما تبرز الحاجة لتحديد متي تكون المعونات مفيدة ومتي تكون ضارة؟
 
وبغض النظر عن اي اعتبار اخر فهذه المعونات تعد صغيرة للغاية مقارنة بالمعونات التي تقدمها بعض الحكومات الافريقية وبالمعونات المقدمة من مؤسسات ضخمة مثل البنك الدولي.
 
وجري خلال 60 عاما الماضية تحويل تريليون دولار امريكي من المساعدات من الدول الغنية لافريقيا لكن دخل الفرد الحقيقي حاليا اصبح اقل مقارنة بالسبعينيات واصبح ما يزيد علي %50 من السكان يعيشون علي اقل من دولار واحد في اليوم.

 
ولاتزال الدول الافريقية حتي في اعقاب انطلاق حملة الاعفاء من الديون في التسعينيات تدفع 20 مليار دولار من اقساط الديون سنويا مما يعني ان المساعدات لم تكن مجانية وانه يتم تقديمها مقابل فوائد بعد اقتطاع مخصصات التعليم والرعاية الصحية وتصبح الدعوة لالغاء الديون بلا معني في ظل مواصلة منح المساعدات حتي يسمح هذا بالدخول في الدائرة المفرغة نفسها.

 
واصدر صندوق النقد الدولي في عام 2005 تقريرا باسم »المساعدات لن تزيد من معدلات النمو في افريقيا« قبل اسابيع من انعقاد قمة العشرين.

 
وطالب التقرير الحكومة والمانحين بعدم المبالغة في قدرة الدعم علي انتشال القارة من جميع مشاكلها ولم يتم بذل جهود جادة تستهدف ابعاد شبح المساعدات عن دول القارة.

 
ويغفل المانحون الدوليون حقيقة ان المساعدات لا تخدم في معظم الاحيان الهدف الذي وضعت من اجله وانها تقع في نهاية المطاف في جيوب الموظفين الحكوميين لتحقيق مكاسب شخصية. وقال »جيفري وينترز« في جلسة استماع امام لجنة مجلس الشيوخ للعلاقات الخارجية، ان البنك الدولي خسر 100 مليار دولار من القروض المخصصة لدعم التنمية في دول القارة.

 
وحذر في عام 1978 »اروين بلومينثل« الذي عينه صندوق النقد الدولي لمنصب في البنك المركزي الزائيري من ان النظام المالي في زائير يعاني من الفساد لدرجة ان الجهات التي قدمت قروضا للحكومة لن يكون بوسعها استرداد الاموال التي دفعتها ولم يهتم الصندوق كثيرا بهذا التحذير، ومنح زائير اكبر قرض لدولة افريقية وتقول وكالة مراقبة الشفافية العالمية ان الرئيس الزائيري الاسبق موبوتو سيسيكو الذي تولي الرئاسة من 19 65 الي 1997 يشاع عنه انه سرق ما لا يقل عن 5 مليارات دولار من البلاد.

 
واتهم في الشهر الماضي باكيلي موليزي رئيس مالاوي السابق باختلاس اموال المعونات التي تقدر بحوالي 12 مليون دولار ولايزال القضاء في زامبيا ينظر قضية اختلاس فريدريك تشيلوبا رئيس زامبيا السابق لملايين الدولار من الاموال المخصصة للتعليم والبنية التحتية.

 
لن تؤدي المعونات وحدها الي تحقيق التنمية لدول القارة الافريقية لكنها تحتاج بشدة لتوفر حكومات نزيهة غير متورطة حتي اذنيها في الفساد مثلما هو حال معظم الحكومات الافريقية.

 
فالمال السهل الذي تقدمه المعونات، هو افضل وسيلة تساعد الحكومات الفاسدة علي البقاء في السلطة فطالما ضمنت الحكومات تدفق المعونات لن تكون مضطرة لجمع الضرائب، وطالما ظلت قادرة علي سداد رواتب الجيش، فلن تهتم بتلبية رغبات شعبها وبتمثيل شعبها في المجالس النيابية طالما انها لا تهتم بجمع الضرائب بينما ستهتم هذه الحكومات بمحاولة استرضاء الدول والجهات المانحة للمعونات.

 
وفي ظل الاعتماد علي المعونات لن تهتم الحكومات بالبحث عن وسائل اخري للتمويل مثل التعامل مع سوق السندات، وهذا هو السبب في ان %70 من المال العام يأتي من الدعم الاجنبي.

 
ففي اثيوبيا الذي يشكل الدعم ما نسبته %90 من الميزانية الحكومية تتوفر لنسبة ضئيلة من السكان تبلغ %2 امكانية استخدام الهواتف المحمولة وسيكون أجدي للحكومة الاثيوبية الحصول علي موارد اضافية عن طريق بيع ترخيص اقامة شبكات التليفون المحمول وتوفير هذه الخدمة التي ستؤدي بدورها لتحفيز النشاط الاقتصادي.

 
ويعد توفير خدمة مدنية علي درجة عالية من الكفاءة شرطا اساسيا لتحقيق تنمية اقتصادية لكن تفشي الروتين يهدد فرص نجاح التنمية الاقتصادية في تحقيق هذا الهدف لان الروتين يضع قيودا اضافية تعيق تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة ففي الكاميرون يحتاج المستثمر 426 يوما لاستكمال 19 اجراء اداريا بغرض استخراج رخصة ممارسة نشاط تجاري.

 
كما ان اغراق الاسواق العالمية بمعونات غذائية يتم انتاجها في الولايات المتحدة لن يساعد علي تحقيق اي تنمية زراعية في الدول الافريقية، ومن الافضل شراء المحاصيل التي ينتجها المزارعون المحليون من اموال المعونات ثم توزيع الاغذية بعد ذلك علي السكان.

 
كما ان حصول الدول الافريقية علي تدفقات نقدية كبيرة يلحق ضررا بالغا بقطاع التصدير في هذه الدول نظرا لان السيولة النقدية الكبيرة ترفع اسعار المنازل ومنتجاتها الموجهة للتصدير، فالدعم النقدي المقوم بالدولار الذي يتم ضخه في الاقتصادات الهشة للدول النامية يزيد من قوة العملة المحلية امام العملات الاجنبية كما تعجز منتجات هذه الدول عن اكتساب اي ميزة تنافسية في الاسواق العالمية.

 
وينبغي علي هذه الدول مكافحة التضخم الذي يتسبب فيه الدعم عن طريق اصدار سندات لاستيعاب الاموال التي تفيض بها السوق وفعلت اوغندا الشيء نفسه في عام 2005 علي سبيل المثال مرغمة علي اصدار هذه السندات بهدف سحب سيولة من السوق تبلغ 700 مليون دولار وكسرت الفوائد المستحقة علي هذه السندات حاجز 110 ملايين دولار تسدد سنويا.

 
وتؤدي المعونات من ناحية الي جعل المستثمرين يحجمون عن الاستثمار في الدول المتلقية لها.

 
وتظل افريقيا اكبر قارة تعاني من عدم الاستقرار في العالم حيث تشهد اندلاعا للحروب الاهلية والنزاعات المسلحة حيث دارت »رحي« حروب اهلية في 11 دولة افريقية منذ عام 1996 وذكر معهد ستكهولم لبحوث السلام العلمي ان افريقيا اندلعت فيها اكبر عدد من الحروب مقارنة بالحروب التي اندلاعت في دول العالم مجتمعة خلال فترة التسعينيات.

 
ويقول المحللون المؤيدون لفكرة تقديم معونات لدول القارة الافريقية ان المعونات التي حصلت عليها اوروبا في اطار خطة مارشال بقيمة 13 مليار دولار ساعدت دولها علي التعافي في الاثار المدمرة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية لكن المعونات سيكتب لها النجاح اذا جري استخدامها بالشكل اللائق في ظل ادارة سليمة.

 
لكن هذه المعونات ولفترة زمنية قصيرة ولم تكن ممتدة مثلما هو الحال بالنسبة للمعونات المقدمة للدول الافريقية.

 
ويمكن ان تبدأ الدول الافريقية اولي خطوات التنمية باصدار سندات لجمع سيولة نقدية كافية فاسواق رأس المال في الولايات المتحدة واوروبا لاتزال قوية ويمكنها البحث عن فرص في الاسواق غير التقليدية في الشرق الاوسط والصين التي تحتفظ باحتياطيات نقدية تبلغ 4 تريليونات دولار كما ان الازمة المالية الحالية تقدم فرصة ذهبية للدول الافريقية للتركيز في الحصول علي تقييم ائتماني جيد واعداد نفسها لحين عودة اسواق رأس المال لحالتها الطبيعية.
 
ويتعين علي الحكومات اجتذاب استثمارات اجنبية مباشرة عن طريق وضع نظام جيد للضرائب والقضاء علي الروتين ويتعين علي الدول الافريقية الاهتمام بالتجارة والدخول في شراكة مع الصين ولو صدقت نية الدول الغربية في مساعدة الدول الافريقية فينبغي عليها التوقف عن تقديم معونات سهلة لهذه الدول.

شارك الخبر مع أصدقائك