شريف عطية

تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى (1 -6)

شارك الخبر مع أصدقائك

مع التنافس بين القوى الأوروبية الثلاث الكبرى فى القرن التاسع عشر، إلا أنها كانت تتوحد أحياناً لمواجهة الدولة العثمانية التى أطلق عليها قيصر روسيا «نيقولا الثاني» 1853 – رجل أوروبا المريض- لينتهى الأمر بهزيمتها فى الحرب العظمى الأولى، إيذاناً بقيادة الثنائية البريطانية- الفرنسية للنظام الدولى التالى، ورغم الفجوة والغيرة الدبلوماسية بينهما.. فقد حال دون استئناف دواعى عداواتهما، انتماؤهما القارى.. وفى النادى المسيحى.. إلى القبول بتقاسمهما النفوذ وفقاً لاتفاقية سايكس- بيكو فى 1916، ولتخرجا منتصرتين من الحرب العالمية الثانية.. تجران أذيال الخيبة والفشل من مستعمراتهما، ويصعد على إرثهما النجمان الجديدان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى (السابق)، لقيادة ثالث النظم الدولية- ثنائى القطبية- بين أكبر قوتين عسكريتين فى العالم- لا تزالا، فيما انكفأت أوروبا على نفسها بين التبعية للإطار الأطلسى المهدد بالتفكك جراء تلويح الولايات المتحدة بالانسحاب من الحلف «ناتو» 2017.. لو لم يشاركها أعضاؤه فى كلفته الدفاعية، أو بين التبعية الأوروبية لما يسمى «الاستثناء الأوراسي» تجلس من خلاله روسيا «المنفتحة غير الأيديولوجية» على مقعدين بين القارتين الأوروبية والآسيوية، ذلك فيما تواصل الصين من جانب ثالث.. صعودها المطرد منذ عشية النصف الثانى للقرن العشرين، قبل أن تتبوأ اليوم مرتبة ثانى أقوى اقتصادات العالم بعد الولايات المتحدة، وإذ هكذا تبدو رقعة الشطرنج التى تضم العمالقة الثلاثة الكبار، بجانبهم كل من الاقتصادات الصاعدة الناشئة، والتكتلات الجيوسياسية الاقتصادية المستحدثة فى القرن 21.. فضلا عن مجموعة الدول السبع الكبار.. ومجموعة العشرين، وما إلى ذلك من قوى محل التنافس بين الكبار للفوز بالتحالف معها.

إلى ذلك السياق، ترتفع مؤشرات التوتر بين القوتين الأعظم- أميركا وروسيا- منذ الأزمة الأوكرانية 2014 إلى دخول الجيش الروسى إلى سوريا 2015، وليكون العام 2018 هو الأسوأ فى العلاقات بين البلدين وفقاً لمؤشرات محددة (…) تشير إلى وجود أسباب بنيوية للتوتر.. يتعلق بعضها بالرؤى المتعارضة للعالم بين الجانبين، يفاقمها ما يتصل بانقسام فى داخل الولايات المتحدة بشأن سياستها الخارجية تجاه روسيا، وعما إذا كانت روسيا عدواً أو رصيداً محتملاً للتوازنات الأميركية الاستراتيجية بعيدة المدى (الصين مثالاً)، وما إلى ذلك من مسائل حيوية أخرى (..) تحول دون تفاهم الإدارتين الأميركية والروسية، الأمر الذى عبرت عنه وثيقة الأمن القومى الأميركى عشية العام 2018، إذ وضعت كل من روسيا والصين فى حزمة واحدة تضمهما معاً.. فى السعى- بحسب الوثيقة- إلى إضعاف الأمن والقيم الأميركية بسيان، إلا أنه من اللافت ذلك الموقف الرئاسى الأميركى- إيجاباً- تجاه نظيره الروسى، ما يعكس تبايناً عن الموقف الاستراتيجى الأميركي.

على صعيد متصل، وفيما تجلس روسيا على مقعدين بين قارتى أوروبا وآسيا لأسبابها، فإن أميركا تبدو بسبب التوجهات المتعارضة فى أوساط النخب الأميركية راهناً وكأنها تقود حصانين فى وقت واحد، ما يفقد سياستها الخارجية تحديد إحداثيات بوصلتها، خاصة فى حقبة «ترامب» الراهنة.. التى لا تزال من الصعب توقع عما إذا كانت مرحلة عابرة فى السياسة الأميركية أم أنها تمثل تحولاً جاء ليستمر، الأمر الذى سوف يتوقف عليه.. المدى الذى يمثله صعود الصين دون الضرر من عدمه بالمصالح الأميركية/ الروسية، خاصة فى ضوء مبادرة الحزام والطريق التى تربط الصين تجارياً.. ومناطق وسط آسيا (السوفيتية) وصولاً إلى الشرق الأوسط وأوروبا وإلى ربط الصين هذه البلاد بشبكة مصادر الطاقة وطرق مواصلاتها.. سعياً لاستمرار نهضة الصين التى تبدو مستقرة فى جلوسها فحسب على مقعد واحد.. لا تبارحه.. بالضرورة- إلا لكى تسوس حصاناً واحداً يعرف وجهته وسط تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »