شريف عطية

تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى (6-6)

شارك الخبر مع أصدقائك

نحو منظومات ثنائية دولية جديدة.. على وقع «التدمير الخلاق»

إلى أين يمضى النظام العالمى الجديد «عديم القطبية»، الذى تتصارع من أجل مشاركته.. مختلف القوى الكبرى، إذ تحيله باتجاه حالة من السيولة شبه العدمية.. لم يسبق أن باشرها العالم على مدى القرنين الأخيرين، أقرب ما تكون لما تسمى «الفوضى الخلاقة»، منذ باتت (مثالاً) نقطة الانطلاق لمشروع الشرق الأوسط الجديد، ذلك حينما جددت وزيرة الخارجية الأميركية صكّه فى العام 2005، سبيلاً إلى مشروع سياسى متكامل.. للدفع بظروف البلدان الضعيفة وإيصالها إلى درجة الغليان العظيم، ومن ثم إلى نشر القلق والخوف والشك فى مختلف طبقات المجتمع عبر وسائل التواصل وباستخدام المنصات التى توفرها شبكات الإنترنت، وعلى النحو الذى استخدم فى حراكات الربيع العربى 2011، لا يزال، وإن لم يحقق أهدافه كاملة حتى الآن، فلا بأس من تجريبه فى أقاليم أخرى من العالم- لتأكيد الهيمنة الغربية (الأنجلوساكسون بخاصة)، ذلك على غرار ما تم تطبيقه من «قلق الأيديولوجيا» لإنهاء الحرب الباردة، وتفكيك الاتحاد السوفيتى (السابق).. لصالح «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».. إذ ساعدت (الفوضى) من خلال تقديم التغطية السياسية واللوجيستية نحو قيام «الثورات الملونة» فى شرق أوروبا.. وفى المنطقة الأوراسية حيث دول الفضاء السوفيتى السابق، إلا أن الفوضى لم تحقق حتى الآن لمشروعها فى الشرق الأوسط ذات النجاحات التى أنجزتها- من وجهة نظرها- الثورات الملونة، الأمر الذى أثبت للآخر أن الأحادية الأميركية ليست عصية عن التحجيم، خاصة مع وضوح عجزها عن استتباب السلم والأمن الدولى فى أقاليم مختلفة من العالم.

إلى ذلك، وإزاء تصاعد الغطرسة الأميركية ومحاولات هيمنتها على الآخر.. وبما لم يدع له من سبيل غير التصدى منذ 2006 (مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبى) للأحادية الأميركية، فى محاولة لاستهداف بناء نظام دولى «تعددى» جديد، إلا أن استمساك الولايات المتحدة بقطبيتها الواحدية.. دفعها لمواصلة تغييرات جذرية فى استراتيجيتها الدفاعية ضد الصين وروسيا، سواء بالاتجاه بها إلى منطقة آسيا- المحيط الهادى asian pivot منذ نهاية 2010، أو بالعمل من خلال الإدارة الحالية على إنزال الهزيمة بالخصم فى الشرق الأوسط «بصورة حاسمة»، العراق- إيران، وحلفاؤهما، أو باتقاء تعريض قدراتها لمواجهات (شبه انتحارية) مع كوريا الشمالية، خاصة وقد بات الخصوم من القوى الكبرى ذات القدرات العسكرية الضخمة والمؤكدة على الجانبين- أكثر استعداداً للمواجهة فى «تايوان»، أو فى منطقة البلطيق، على سبيل المثال لا الحصر، حال واجهت الولايات المتحدة حينئذ اثنين من خصوم القوى العظمى (روسيا والصين)، ناهيكم عن التهديدات الأدنى من الدول والمنظمات (المارقة).

إلى سياق متصل لما يجرى من التصدى لسجالات دولية عسكرية محتملة، سواءً على الساحة الأميركية مع كل من روسيا والصين، أو بالتصدى لمحاولات تصدير «الفوضى الخلاقة» لإنهاك الجبهات الداخلية، من تسيير المظاهرات والحركات الاحتجاجية إلى التدخل فى الانتخابات.. إلخ، وعلى النحو المشهود بين الجانبين، إذ يصدر مؤخراً بيان صينى يتحدث عن تآمر الأميركيين ضد الصين (هونج كونج).. ما قد يعنى العودة إلى الثورات الملونة التى تتطابق واقعاً بالأجندة الأميركية الفعلية، ومع القوى التى تتزعم هذه الاحتجاجات، لزعزعة استقرار الصين.. وإضعاف قدرتها على المنافسة فى حقل التكنولوجيا، الأمر الذى يدفع بكين إلى حشد تحركات عسكرية على الحدود مع هونج كونج، يثير قلق واشنطن إزاءها، ذلك فيما تبدى روسيا أيضاً قلقها من مواصلة الولايات المتحدة تعديل استراتيجيتها- فى الربع الأخير من القرن الماضى- بشأن «المواجهة المزدوجة» مع كل من موسكو وبكين، كذا من محاولات «الغرب» (بصفة عامة) التأثير فى الوضع الداخلى لروسيا، فى إشارة إلى التحركات الاحتجاجية لعشرات الآلاف من المتظاهرين على خلفية الانتخابات البلدية فى موسكو، ولترد واشنطن من جانبها بتحذير موسكو وبكين على لسان مستشار الأمن القومى الأميركى.. من عواقب تدخلهما لدعم نظام الحكم (الشرعى) فى فنزويلا، وهى إحدى دول أميركا الجنوبية التى تعتبرها الولايات المتحدة فناءها الخلفى، ذلك فيما تتسبب صفقة الصواريخ الروسية إلى تركيا (عضو الناتو) فى أزمة بينها وبين الولايات المتحدة- التى تخشى من اتجاه أنقرة نحو المحور الروسى- الإيرانى- الصينى فى الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما يمثل- إن حدث- أحد التحولات السياسية المهمة إقليمياً ودولياً، وإلى تغيير فى التحالفات، ربما على غرار ما حدث مع مصر عقب إبرامها الصفقة التشيكية منتصف الخمسينيات، والتى نقلتها إلى المعسكر الروسى- وليس آخراً فيما يتصل بأوراسيا الصاعدة عبر طريق الحرير الروسى (الميريديان) الذى يعزز ارتباط روسيا بمشروع الحزام والطريق الصينى، فيما بين القارتين الآسيوية والأوروبية، وما إلى ذلك من سجالات عسكرية ومشروعات وتنافسات عملاقة إلى التحرش بالأوضاع الداخلية، يمضى التنافس بين العمالقة الثلاثة الأعظم، فيما ينتظر العالم ما سوف يؤول إليه السجال بينهم.

لكن العالم ونظامه القطبى المرتقب، لا يجب أن يرتهن فحسب بمقتضيات التنافس بين العمالقة الثلاثة الأعظم، كإمبرياليين واقعيين أو محتملين، تتفاوت آفاق طموحاتهم وأساليب الوصول إليها، وبحيث قد تتوقف نتائج الصراع التنافسى فيما بينهم.. على ماهية الأدوار شبه الرئيسية التى يمكن أن تباشرها كل من التكتلات الجيوسياسية والاقتصادية على المستويين الإقليمى والدولى، سواء بين الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة، وتحالفهما الوثيق قبل أن يُصاب فى الصميم حين طرح الرئيس الأميركى «ترامب» منتصف يوليو 2018 رؤيته «العميقة» للاتحاد الأوروبى باعتباره- فى نظره- «العدو الرئيسي» للولايات المتحدة، وأخطر عليها من روسيا والصين.. اللتين وصفهما أيضاً بـ«العدوتين»، ما يجعل من الأخيرتين أصدقاء لأوروبا وفقاً للمقولة بأن «عدو عدوى صديقى»، الأمر الذى يعلى من مكانة ألمانيا «أوروبياً»، ومن داخل صراع عالمى «غير منظم»، يدعوها إلى الاضطلاع- مع فرنسا- بدورها كسيدة أوروبية عليها مواجهة القرارات الصعبة لمواجهة عدم الاستقرار فى الاتحاد الأوروبى، وفى تشكيل «الفيلق الأوروبي» الذى تعمل عليه ألمانيا منذ سنوات للتعبير عن «الهوية المستقلة للقارة»، وعلى غير رغبة الأميركيين والبريطانيين، خاصة من بعد بزوغ نجم ألمانيا- كقوة كبرى- تضع روسيا فى الاعتبار، وتوليها مع الصين أهمية عظمى، لكن دون أن تعطى ظهرها لإمكانية تحالف «جديد» مع الولايات المتحدة عبر حلف الأطلنطى، كما لا تتوقف نتائج الصراع التنافسى عند العمالقة الثلاثة الأعظم، دون الأخذ فى الاعتبار الدور الذى تباشره دول مجموعة العشرين التى استحدثت كتجمع اقتصادى عقب/ ولمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية 2008، ولتضم الدول البترولية وذات الاقتصادات الصاعدة. . إلخ، خاصة فى ضوء عجز الدول السبع الكبرى G7 عن تسوية الأزمة بمفردها، إلا أن التعددية العشرينية من خارج نصف الكرة الغربى.. واجهت بعد 10 سنوات من تشكيلها- سادها التوتر- من صعوبات جمة حول مسألتى التجارة والمناخ، وبسبب صعود قادة شعبويين فى الأميركتين وأوروبا، كما عن خروج بريطانيا من التكتل الأوروبى «بريكست»، وليلعب الرئيس الأميركى بغية فرض أجندة قناعاته، ربما من أجل السعى إلى بناء نظام دولى بديل تقوده الولايات المتحدة، تمهد له الحرب التجارية (العامة) وحرب العملات التى بدأت تثير القلق والخوف لدى الاقتصاد الأميركى، وليس آخراً.. فمن المهم مراعاة الأخذ بالتجريب العالمى بالهند فى الحسبان، لعدم احتكار العمالقة الثلاثة الأعظم للأساليب الإجرائية للنظام الدولى المرتقب، إذ تروج الهند لأهمية الالتفات إلى منطقة جنوب شرقى آسيا كمنطقة واعدة، خاصة أن الهند بتفوقها التقنى العسكرى والنووى، ووفقاً لنهج دبلوماسيتها التوافقية، فضلاً عن نموذجها الديمقراطى الذى يقدم للعالم ما يحتذى به على نطاق واسع عند مناقشة مستقبل الديمقراطية وأنماطها المختلفة فى العالم، ما بين اللا ليبرالية والشعبوية أو نحو الالتزام الديمقراطى، الذى أصبحت الهند اليوم بمقتضاه فى مصاف الدول الكبرى.

خلاصة القول من بعد الإبحار بإيجاز عبر تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى خلال القرنين الأخيرين، لربما تزداد الصورة غموضاً عن المستقبل بشأن النظام الدولى المرتقب حين يخلف ما سلف من تداعى أنظمة دولية سابقة، آخرها الأحادية القطبية الأميركية (المنهكة) عن القيام بمسئولياتها- لثلاث عقود خلت- وفى العمل على استتباب السلم والأمن الدولى فى ظل المحاذير والأخطار الراهنة التى باتت تهدد أقاليم العالم المختلفة، فيما بدت التطورات القطبية بأشكالها وصورها المتعددة أعجز عن حماية، «ليس سكان العالم فحسب» بل أيضاً فى الذود عن سلامة الكوكب البشرى فى مجمله، ما يدفع للتفكير بالعودة (مثالاً) إلى الثنائيات القطبية، الأمر الذى تفضله روسيا لأسبابها، إلا أن العالم سوف يعود عندئذ.. رهينة بين دولتين (إمبرياليتين) تتقاسمان النفوذ فى عالم لم يعد مغلوباً على أمره كما كان فى عشرينيات القرن الماضى، ذلك فى ظل ما أصبح عليه من وعى عالمى إنسانى جديد، تتطلع من خلاله دول متباينة القوى للمشاركة فى بناء النظام الدولى بقدر إسهامها فى تشكيله، اقتصادياً وحضارياً، وعلى ذلك فقد تتغير العودة للثنائيات، من بين دولتين إلى محورين (أو أكثر)، يضم كل منها أكثر من دولة، بمشاركة قوة عظمى أو بدونها ( التكتلات السياسية الجيو- اقتصادية مثالاً….)، ما يضمن عندئذ التعادل، ولموازنة الثنائيات فيما بين بعضها البعض، إلا أن ذكريات التاريخ والآمال والأساطير والطموحات مازالت تفعل فعلها، سواء فى بحث أوروبا عن استقلالها الاستراتيجى، أو من جانب محاولات توحد الأنجلوساكسون مجدداً فى بريطانيا وأميركا- بين الدولة الأم وبين الدولة التى خرجت من رحمها، لتصبح الولايات المتحدة هى الأقوى عن المملكة المتحدة عشرات المرات (التابع والمتبوع)، خاصة فى ظل وجود «ترامب» و«جونسون» الشعبويين، اللذين يتعاملان باستخفاف مع ألمانيا وفرنسا.. ما يدفع بالأخيرتين إلى جانب محور روسيا مع الصين (الحالة الإيرانية مثالاً)، وبحيث قد تصبح الثنائيات المرتقبة عندئذٍ غير سالفاتها، أقرب لصياغة تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى، نحو محاور ثنائية القطبية أقرب إلى التعددية، التى قد تشكل منظومة دولية جديدة.. على وقع ما يجرى فى العالم من «التدمير الخلاق».

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »