شريف عطية

تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى (-2 6)

شارك الخبر مع أصدقائك

أوروبا المحصورة بين أكثر من نظام دولى

أوروبا، تاريخ ممتد منذ الحضارة الهيلينية، وفى ظل توسع الإمبراطورية الرومانية، وبالارتقاء إلى عصر النهضة عشية سياسات القرن السادس عشر.. التى أعادت للقارة العجوز أمجاد هيمنتها الغابرة، إيذاناً بالدخول إلى عصر الثورة الصناعية وحقبة التنوير ابتداءً من القرن 18، ما كرّس لحضارة الغرب الأوروبى قيادة العالم لنحو قرنين ونيف من الزمان، لم تحل دون الحروب البينية لوحداتهم السياسية، إما بهدف الغلبة والهيمنة أو سعياً لفرض الوحدة الأوروبية (بالقوة) فيما بينهم، عبر الحروب النابليونية (وغيرها)، حيث حظيت فى بادئ الأمر بقبول مفكرين وفنانين أوروبيين، على غرار «جوتة» و«بيتهوفن»، وما إليهما، قبل الانقلاب ضدها لما بدا حيالها من نوازع الغطرسة والهيمنة، ليس آخرها الحرب العالمية الثانية التى كانت حرباً أوروبية بامتياز، خرجت منها القارة مثخنة بالجراح، لتتراجع القارة فى أعقابها أمام كل من المصالح العليا للإمبراطورية الأميركية.. وإزاء التجربة السوفيتية الاشتراكية التى أدى سقوطها فى مطلع تسعينيات القرن العشرين إلى جدل عالمى- لا يزال- حول «نهاية التاريخ.. والإنسان الأخير».. (فرانسيس فوكوياما 1992)، وما يعنيه بالنسبة لمستقبل العالم فى ظل بقاء قطب واحد (الليبرالية الغربية)، ورغم أن التاريخ لم ينته كما تنبأ أستاذ العلوم السياسية الشهير، فإنه دافع عن أطروحته بوجه منتقديه لاحقاً.. متهماً إياهم بسوء الفهم لمعنى «النهاية» التى وضعها للتاريخ، ذلك قبل أن يعود ويصدر مع بروز الدولة الشعبوية الأميركية فى 2017، مفهوماً عن «الهويات»، أرجع فيه كل ما يجرى فى العالم منذ قرنين (إلى اليوم)، إلى كل من الثورتين الفرنسية والأميركية، ومن ثم إلى نشوء الدول القومية «الحديثة» فى أوروبا، وحتى اندلاع أحداث الربيع العربى 2011، مروراً بحركة الحقوق المدنية الأميركية، والثورات الطلابية 1968، والثورات الملونة فى وسط وشرق أوروبا منذ 1989، وليس آخراً إلى بروز الزعامات الشعبوية على غرار «ترمب» (أميركا)- «بوتين» (روسيا)- «أوربان» (المجر).. إلخ، فضلاً عن صعود الصين الجديدة، و«بريكست»، وحراك «Me Too»، إلى الحركات الفاشية الجديدة، وحتى «الإسلام السياسي»، حيث إن حاجاتهم للإقرار العام- بحسبه- بهوياتهم الناشئة هى القوة المحركة للتاريخ.إلى ذلك، وبرغم رسوخ الهويات الأوروبية عن غيرها.. مما يجعلها بعيدة نسبياً عن تقلبات التاريخ الحادة على مستوى العالم، إلا أن ذلك لم يحل عن بروز بوادر الغزو «الشعبوى» لنظمها الليبرالية الديمقراطية، المتعارف عليها منذ القدم، إذ قد تعيق مضى أوروبا فى طريقها للانتقال من «القارة» إلى ما يسمى «سويسرا الكبري» ضمن الاتحاد الأوروبى، على غرار ما انتهى إليه الوضع السياسى للولايات المتحدة الأميركية 1776 – 1789.. الذى تزامن مع الثورة الفرنسية التى صدّرت للبشرية الجمهورية الشعبية قبل نحو قرنين ونيف، إلا أن موجة صعود اليمين المتطرف فى أوروبا- راهنا- إلى جانب استمرار موجات الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن تسرب تنظيمات إرهابية إليها، وما إلى ذلك من عوامل أخرى قد تضع جانباً من مستقبل القارة الأوروبية فى دائرة من الغموض، بما فى ذلك- بحسب مراقبين- أن «الصين تحاول شراء أوروبا»، والأخيرة لا تمانع (%56 من استثمارات الصين العالمية فى أوروبا)، كما تتجه الأحزاب اليمنية الأوروبية من جانب آخر إلى بحث وقف الحرب الباردة مع روسيا، حيث الآفاق «الأوراسية»- بحسبهم- أهم من التعاون العابر للأطلسى، ذلك فيما واشنطن راغبة عن الاضطلاع بمسئولياتها فى حلف «ناتو»، لذا فإن الاختيار «الأوراسي» لأوروبا قد يصبح ضرورة لها فى السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار الحرب التجارية الأميركية بشكل أو آخر مع دول أوروبية رئيسية، ذلك فيما يتفق الاتحاد الأوروبى فى المقابل مع روسيا على تشكيل مجموعة عمل لتقليص حصة التعاملات بالدولار فى ميزان المدفوعات بينهما، لصالح كل من اليورو والروبل، كما أن لدى الاتحاد الأوروبى اقتراحات انتخابية، بلدية وبرلمانية، تساعد على تشكيل هوية مشتركة لأصحاب الفكر السياسى لجميع الأوروبيين،، ومن ثم إلى احتمال ظهور جنسية أوروبية حقيقية يوماً ما، تؤهل الاتحاد الأوروبى، المحصور بين أكثر من نظام دولى، لأن يكون عنصراً فاعلاً فى تنقلات القوى الكبرى فى النظام العالمى

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »