اقتصاد وأسواق

تفاؤل حكومي حول معدلات النمو.. وشكوك من الخبراء

مني كمال:   تعكس الارقام الرسمية الصادرة عن الحكومة حول الاداء الاقتصادي حالة من التفاؤل المفرط، ظهرت واضحة كما يقرر الخبراء في معدلات النمو المستهدفة خلال خطة التنمية للسنوات الخمس القادمة والتي تدور حول %8 سنويا بالرغم من الخلاف الدائر…

شارك الخبر مع أصدقائك

مني كمال:
 
تعكس الارقام الرسمية الصادرة عن الحكومة حول الاداء الاقتصادي حالة من التفاؤل المفرط، ظهرت واضحة كما يقرر الخبراء في معدلات النمو المستهدفة خلال خطة التنمية للسنوات الخمس القادمة والتي تدور حول %8 سنويا بالرغم من الخلاف الدائر حول معدلات النمو الحقيقي التي تحققت في الاعوام القليلة الماضية، واستندت الحكومة في تقديرها علي حسابات راعت فيها التطور التدريجي لتلك الارقام.

 
وكما يقرر الخبراء ايضا مازالت مصر تعاني من تضارب البيانات الرسمية بشأن الاداء الاقتصادي.. هذا التضارب الذي جعل كل البيانات محل شك، وبالتالي اصبحت طموحات الحكومة في تحقيق هذه المعدلات ايضا محل شك خاصة في ظل استمرار السياسات الاقتصادية التي يدار بها الاقتصاد المصري معنية بمصالح الطبقة العليا من رجال الاعمال دون ان تشعر بها الطبقات الاقل داخل هذه الشريحة او خارجها وهو الامر الذي لم تنكره الحكومة الحالية بل اكدت علي استمراره لفترة من الوقت. وبالرغم من ان المجموعة الاقتصادية في الحكومة تعمل علي تحقيق برامج كل من البنك الدولي وصندوق النقد الا ان هذا لم ينعكس علي ترتيب مصر في تقرير البنك الدولي عن تسهيل نشاط الاعمال حيث احتلت المرتبة 141 بين 155 دولة في تقرير 2006 وهو ما يؤكد انه حتي وفقا للمعايير التي تتبناها الحكومة المصرية نظريا فإن هناك مشكلة تواجه حكومة «نظيف» من حيث التطبيق تؤدي الي تأخر ترتيب مصر فيما يتعلق بتسهيل الاعمال.
 
واذا كان الاقتصاد المصري في حاجة الي تحسين بيئة الاعمال لاستنهاض الاستثمارات المحلية وجذب الاستثمارات الاجنبية «الحقيقية» في وقت تتزايد فيه الاستثمارات حولنا بمعدلات سريعة، فإنه يجب السيطرة علي التضخم المتصاعد والديون المحلية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء واصبحت تشكل تهديدا علي استقرار الاداء الاقتصادي.
 
اوضح د. أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادي ان الحكومة تحتاج الي اعادة رسم الصورة الاقتصادية في مصر بكل ما تنطوي عليه من ايجابيات وسلبيات او لا حتي تتمكن من طرح تصورات صحيحة وحقيقية حول تطوير الاداء الاقتصادي وتعظيم جوانب قوته ومعالجة المشاكل التي يعاني منها، ولطرح هذه التصورات والتوقعات حول اداء الاقتصاد المصري في المستقبل يجب ان تعتمد بيانات الحكومة التي تحتوي علي المؤشرات الاقتصادية علي معلومات صحيحة وهو الامر الذي لم يتحقق حتي الان وابلغ دليل علي ذلك تضارب ارقام بيان الحكومة حول العام المالي 2005-2006 والبيانات التي رصدها الجهاز المركزي للمحاسبات والتي اثارت كثيرا من التساؤلات مؤخرا بمجلس الشعب.
 
وأكد ان استهداف الحكومة تحقيق معدلات نمو تدور حول %8 و7,5  سنويا هو امر مبالغ فيه وذلك لأنه مبني علي معدلات النمو المحلية والتي بتحليلها نجدها لا تعبر عن الواقع الفعلي حيث تشير بيانات الحكومة إلي ان معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي قد بلغ %5,6 عام 2006 مقارنة بـ %4,9 عام 2005 وبالتالي فإن رقم الـ%6,9  الذي تحدث عنه بيان الحكومة هو رقم للاستهلاك يبتعد كثيرا عن الحقيقة.
 
واشار «النجار» إلي انه من المتعارف عليه اقتصاديا ان معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي يعتمد علي الاستثمارات الجديدة وعلي تحسين الانتاجية في المشروعات القائمة فعليا وبذلك يكون معدل الاستثمار هو المؤشر الحاكم في تحديد معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي مشيراً إلي ان معدل الاستثمار في مصر واحد من ادني معدلات الاستثمار في العالم حيث بلغ معدل تكوين رأس المال «معدل الاستثمار الحقيقي» نحو %17 وفقا للبيانات المصرية وهي نفسها المعتمدة من قبل البنك الدولي، في حين ان المتوسط العالمي لمعدل تكوين رأس المال بلغ %21 عام 2005 وفي الاقتصادات سريعة النمو في شرق اسيا بلغ %34 وفي الصين %39 في نفس العام المذكور.
 
ويؤكد «النجار» ان المعدل المتدني للاستثمار الحقيقي في مصر والذي بلغ نحو %17 يضمن بالكاد تحقيق نصف معدل النمو الذي تحدثت عنه الحكومة حتي بعد الاخذ في الاعتبار النمو الذي يفترض ان يتحقق في الانتاج والانتاجية في المشروعات القائمة فعليا حيث اذا افترضنا، ان العائد الحقيقي من  المشروعات التي مولتها الاستثمارات الجديدة يبلغ %15 في العام من قيمة الاستثمارات الموضوعة فيها فان  هذه النسبة توازي نحو %2.6 من  الناتج المحلي الاجمالي بينما يتكفل تحسين الانتاجية اذا كان هناك تحسن بالفعل برفع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي الي ما يتراوح بين %3 و%3.5 وهذا اقصي ما يمكن ان تحققه الادارة الاقتصادية المصرية في  ظل  معدل الاستثمار المتدني المتحقق في  مصر حاليا.
 
ويقول  انه بتحليل البيانات الحكومية نفسها نجد ان  الناتج المحلي الاجمالي باسعار  السوق  قد بلغ 617.7 مليار  جنيه مصري عام 2006/2005 مقارنة بنحو 538.5  مليار جنيه في العام المالي 2005/2004 بزيادة نسبتها %14.7، ويتحدد معدل النمو المحسوب علي اساس الاسعار الجارية، وبالرجوع الي بيانات صندوق النقد الدولي المعتمدة علي البيانات الحكومية نجدها تشير إلي ان معدل التضخم قد بلغ %11.4 عام 2005، وبالرغم من ان البيانات السنوية تشير الي ان معدلات التضخم  قد اخذت  في الارتفاع الي ان  وصلت  الي  %12.2 حتي نوفمبر  2006 علي سبيل المثال فان  الحكومة اعلنت ان معدل التضخم  بلغ  %7 . 9 فقط عام 2006 مقارنة بنحو %7.1 عام 2005.
 
واضاف انه من واقع البيانات المأخوذة من البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء فإن المتوسط السنوي لمعدل التضخم في مصر قد بلغ %11.7 في العام المالي 2004/2005 وليس %7.1 كما ذكرت  البيانات الحكومية مشيراً إلي ان معدل التضخم من  اكثر المعدلات  التي تختلف أرقامها في الكثير من  بلدان العالم من  خلال التلاعب في الاوزان النسبية  للسلع والخدمات في السلة التي يتم احتساب معدل التضخم علي  اساسها.
 
وكشف الخبير الاقتصادي انه  لو اخذنا بمعدل التضخم الذي ساد عام 2004/2005 والذي بلغ %11.7 وخصمناه من معدل  النمو في الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الجارية والبالغ %14.7 فان المعدل الحقيقي للنمو يصبح  في  حدود %3 وليس %6.9 كما تعلن حكومة «نظيف» مشيراً إلي الي ان  هناك  ضرورة  لإقرار الحكومة بالواقع الاقتصادي حتي يكون  هناك حافز لتحقيق اداء افضل بصورة حقيقية من خلال حشد  الطاقات الحكومية والمجتمعية  لتحسين  الاداء.
 
ومن  ناحية اخري تعول الحكومة الكثير  من آمالها علي  الاستثمارات الاجنبية والمحلية  لتحقيق طموحاتها في  تحقيق معدلات النمو المستهدفة  مرتكزة في ذلك علي ما اشارت اليه البيانات من  ارتفاع حجم  الاستثمارات الاجنبية المباشرة  الي 6.1 مليار دولار عام 2005/2006 وذلك  بعد ان  بلغت 2.1 مليار دولار عام 2004/2003 وان  هذه الاستثمارات بلغت 3237  مليون دولار في الربع الأول من عام 2007/2006 .
 
وفي هذا السياق يقول د. جودة عبدالخالق استاذ الاقتصاد ان الارقام الخاصة بحجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة يشوبها الكثير من الخلط وهو الذي ادي الي تعاظم حجمها عن طريق اضافة  قيم  لا يجب  احتسابها كاستثمارات  اجنبية مباشرة ومثال علي ذلك قامت  حكومة «نظيف»  باضافة قيمة الاستثمارات الاجنبية المباشرة في  مجال  النفط  والغاز الي قيمة الاستثمارات الاجنبية المباشرة خلافا لما كانت تفعله الحكومات السابقة علي اعتبار انها  تتم  في  قطاع اولي يتعلق  باستخراج  ثروة .
 
كما ان الاستثمار  الاجنبي المباشر في هذا  القطاع يغطي  فترة زمنية طويلة ولا يمكن حساب ما يتم الاتفاق عليه من  استثمارات علي  عام  محدد وقد  ادت اضافة الاستثمارات الاجنبية المباشرة المتفق  عليها في قطاع النفط والغاز الي  تضخيم حجم الاستثمارات الاجنبية المباشرة  واضافة هذا القطاع  غير الاستخراجي.
 
واشار إلي ان  القيمة الثانية التي احتسبت كاستثمار اجنبي  مباشر هي حصيلة  ما تم  بيعه من  اصول عامة  ضخمة للاجانب في اطار برنامج  الخصخصة حيث إن احتساب قيمة  هذه  المشروعات المبيعة قد  ضاعف من قيمة  الاستثمارات الاجنبية المباشرة رغم انه  لم يتم بناء اي  مشروع جديد باموال اجنبية بل تم تداول الاصول القائمة والمنتجة فعليا  وهو  ما تم  في صفقة بيع %80 من بنك الاسكندرية  والتي اثارت الجدل في حد ذاتها ومدي  شفافيتها حيث بلغ العائد عن البيع 16.3 مليون  دولار وسجل هذا العائد  علي  انه استثمارات اجنبية مباشرة عام 2005/2006.
 
وذكر «عبدالخالق» ان غالبية الاستثمارات الاجنبية المباشرة التي اصدرتها  البيانات الحكومية ما هي الا عمليات شراء الاجانب لاصول عامة قائمة فعليا ومطروحة للخصخصة أو عمليات شراء اراض لبناء  مشروعات عقارية او سياحية أو استثمارات في  استخراج ثروات كالنفط والغاز الطبيعي وهي استثمارات لاتساعد علي تقدم الاقتصاد ولا تضيف اصولا انتاجية جديدة في الصناعة التحويلية أو حتي الزراعة والخدمات.
 
اما  فيما يتعلق بمعدلات  الاستثمار المحلي -والحديث  لعبد الخالق-  فإن  مصر تعاني من  تدني معدلات نمو الاستثمار المحلي والتي لا يمكن  تغييرها  الا من خلال تشغيل العمالة وتقليص البطالة مشيراً إلي ان بيانات الحكومة توضح انه  قد تم انشاء 116 مصنعا كبيرا و115 مصنعا متوسطا و329 مصنعا صغيرا » وهذه الارقام تشير  الي  ان الحكومة عجزت حتي الآن عن  تحقيق ما ورد بالبرنامج الانتخابي للرئيس مبارك الخاص بانشاء الف مصنع باستثمارات قدرها  100 مليار جنيه خلال 6 سنوات بواقع 167 مصنعا كاستثمارات قدرها 16.7 مليار جنيه في العام وانشاء  2000 مصنع متوسط وصغير سنويا بتكلفة 10 مليارات جنيه في العام .
 
وأضاف أنه بذلك يكون ما تحقق بالفعل لا يتعدي %69.5، المستهدف بالنسبة للمصانع الكبيرة ونحو %22.2 من المستهدف بالنسبة للمصانع المتوسطة والصغيرة أي نحو 12 مليار جنيه فقط حسب بيان الحكومة في حين أن المستهدف هو 26.7 مليار جنيه أي أن قيمة الاستثمارات فيما تحقق من مشروعات جديدة لا يتجاوز نسبة %44.9 من المستهدف.

 
وفيما يتعلق بالموازين الخارجية تشير الاحصاءات الحكومية الحالية إلي أن العجز في الميزان التجاري ارتفع ليبلغ 12 مليار دولار في العام المالي 2005 – 2006 مقارنة بنحو 10.4 مليار دولار عام 2004/2005 وذلك وفقا لبيانات البنك المركزي حتي نوفمبر 2006.

 
في حين أن بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلي أن العجز التجاري المصري بلغ 17.7 مليار دولار عام 2005 حيث بلغت قيمة الصادرات نحو 15.5 مليار دولار، بينما بلغت الواردات 33.2 مليار دولار في نفس العام وهو الأمر الذي يشير إلي تضارب البيانات في هذا الشأن.

 
وتعليقا علي ما سبق يقول د. فخري الفقي خبير الاقتصاد الدولي أن الزيادة الكبيرة التي حدثت في ايرادات قناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج وهي موارد للدخل الأجنبي قد حالت دون تعرض مصر حتي الآن لأزمة حقيقية بسبب العجز التجاري الكبير الذي يبقي عنصر تهديد لاستقرار الجنيه ولمديونية مصر الخارجية، مشيرا إلي إن ايرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج هي مصادر للنقد الأجنبي ولكنها تتوقف علي العالم الخارجي والتطورات الاقتصادية الدولية والتي لا تسيطر عليها مصر بشكل كبير حيث تشير التجربة إلي تعرض مصر لهزات عنيفة في مراحل سابقة.

 
ويقول إن أي تخطيط لتحقيق التوازن في موازين التعامل الاقتصادي الخارجي بين مصر ودول العالم لابد أن ينهض أساسا علي تحقيق التوازن في الميزان التجاري شديد الاختلال في غير صالح مصر في الوقت الراهن والذي تزايد بشكل سريع بالرغم من أن هناك ارتفاعاً في أسعار وعائدات صادرات مصر من النفط والغاز وبصورة هائلة.

 
أما فيما يتعلق بالديون الخارجية لمصر والتي بلغت 29.6 مليار دولار حتي يونيو 2006 مقارنة بنحو 29 مليار دولار في يونيو 2005 أشار «الفقي» إلي أن الدين الخارجي مازال في الحدود الآمنة حيث إنه لم يتجاوز حجم الزيادة في تلك الفترة عن %2.1 وبذلك تعتبر مصر أقل الدول العربية المدينة فيما يتعلق بنسبة هذه المديونية إلي الناتج المحلي الاجمالي ونصيب الفرد منها.

 
إلا أنه حذر من خطر الدين الداخلي الذي تجاوز بكثير كل الحدود الآمنة علي حد قوله وأصبح يمثل خطرا قد يعرض إلي اهتزاز الاستقرار الاقتصادي بعنف إذا لم تتم السيطرة عليه من خلال تقليل عجز الموازنة العامة للدولة والتي تسير التعديلات الحكومية إلي أنه تراجع من %9.6 من الناتج المحلي الإجمالي عام 2004/2005 إلي %8.6 عام 2005/2006 وذلك بالرغم من تزايد القيمة المطلقة لهذا العجز بنحو ملياري جنيه مصري في عام 2005/2006 بالمقارنة بمستواي عام 2005/2004.

 
وأوضح أنه قياسا لما هو معمول به بدول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر %3 من الناتج المحلي الاجمالي هو السقف المسموح به بعجز الموازنة العامة وبذلك تكون مصر قد تجاوزت أضعاف المستويات التي يمكن أن تكون آمنة، مشيرا إلي أن هذا العجز الكبير في الموازنة أمر طبيعي، مع تزايد الديون الداخلية بسبب الاقتراض الداخلي للحكومة لتمويل عجز الموازنة واقتراض الهيئات الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي، حيث بلغ إجمالي الدين العام المحلي 593.5 مليار جنيه حتي يونيو  2006 أي مايوازي نحو %94.9 من الناتج الاجمالي المحلي وذلك مقارنة بنحو 510.8 مليار جنيه في نهاية يونيو 2005 بما كان يوازي نحو %94.9 من الناتج المحلي الاجمالي وكان هذا الدين قد بلغ 434.9 مليار جنيه حتي نهاية يونيو 2004.
 
وأضاف أن الأرقام السابقة تشير إلي أن الدين الداخلي قد ارتفع بمقدار 158.6 مليار جنيه خلال عامين وهي أكبر زيادة تحدث في هذا الدين في هذه المدة القصيرة، وبالتالي فإنه إذا لم تقم الحكومة بالسيطرة علي الدين المحلي من خلال تقليل عجز الموازنة العامة للدولة فإنه سيؤدي إلي أزمة مالية عنيفة وإلي اتجاه التضخم للجموح وهو ما بدأت بوادره خلال العامين السابقين.

شارك الخبر مع أصدقائك