شريف عطية

تطورات‭ ‬إيجابية في الشأن الصومالي؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية 
 
الحالة الصومالية.. قد لا تكون جذابة تماماً لكي يتابع القارئ تفاصيلها، ربما لطول العهد بمأساتها.. وانغلاق سبل تسويتها، ولكون الصومالي هو الرمز الكئيب لمأساة الإنسانية وتدهورها وبؤسها، إلا أن عدم الاهتمام الإيجابي بها.. لا ينفي ما أثبتته في العام الأخير علي الأقل.. أنها تحمل في طياتها إذا ما استمر تدهورها علي النحو الذي هي عليه لعقدين ماضيين، أخطار انتشار فوضاها المدمرة إلي دول الجوار الإقليمي، وإلي ما هو أبعد من ذلك، خاصة من بعد أن اتخذت منظمات العنف والإرهاب من الصومال.. ملاذاً آمناً لانطلاق عملياتها منه.. لكي تهدد من خلال أعمال القرصنة.. خطوط الملاحة البحرية الكبري في العالم، حتي إذا ما استقر الأمر لهذه المنظمات في معاركها الأخيرة للسيطرة علي العاصمة مقديشيو، فإنها سوف تصبح أكثر تهديداً للقرن الأفريقي وجزيرة العرب ومنطقة المغرب الإسلامي.. وعلي الخط الواصل من واشنطن إلي الصومال إلي المحيط الهندي، حيث المعارك الدائرة للسيطرة عليه بين قوي الهينمة الكبري.
 
إلي ذلك، يوصف الصومال ـ عن حق ـ بـ»الدولة الفاشلة«.. منذ الاطاحة بمركزية الحكومة »الاشتراكية العلمية«، وبنظام حكم الرئيس »زياد بري« نهاية يناير 1991، حينذاك صرح الرئيس الصومالي الجديد ويده علي القرآن.. بأن اللقب الرئاسي الذي يحمله إنما هو لقب مؤقت، وسرعان ما تعرضت شرعيته للنزاع بين القبائل، التي كانت متحدة في مواجهة النظام العسكري السابق، التي أصبحت كعكته محل انقسام وتناوب بين العشائر والبطون داخل القبيلة الواحدة، الأمر الذي أدي إجمالاً.. وإلي عقدين تاليين، ورغم محاولات أممية ودولية.. وأمريكية »لاستعاة الأمل«، إلي تفاقم تدهور الأوضاع الأمنية.. والخدمات، وهو ما جعل الصومال ـ من بعد ـ نهباً لاطماع إقليمية، ومرتعاً لعصابات محلية.. ومنظمات خارجية غير شرعية، ذخر بها الشأن الصومالي إلي أن رسي به الحال بعد متغيرات دراماتيكية عديدة »….«، إلي تولي الرئيس الحالي »شيخ شريف« حكم البلاد منذ عامين، مما كان محل استبشار عام، وهو المعارض السابق علي رأس المحاكم الإسلامية، التي حكمت الصومال لستة شهور نعمت خلالها البلاد بالاستقرار النسبي قبل أن »يغزوها« ـ بتحريض أمريكي ـ الجيش الإثيوبي الذي انسحب مدحوراً بعد عامين في نهاية 2008، ولينقسم رفقاء السلاح من المعارضين من بعد بالنسبة لرؤاهم علي حكم البلاد.. ما بين معتدل »شيخ شريف« ومتشدد »حركة شباب المجاهدين«.. عودا منهم علي بدء، إلي ذات التنازع في 1992 حول نفس الكعكة، التي لم تعد بعد عقدين من الحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية.. غير فتات يتصارع عليه آمراء الحرب السابقين، فيما جموع الشعب تتضور جوعاً.. علي بطون خاوية لا تملأها غير رائحة البارود.. ودماء القتلي الذين يتساقطون إلي اليوم بالعشرات بين ساعة وأخري.
 
في هذا السياق، وعبر مؤتمر صحفي مشترك نهاية سبتمبر الماضي، حضره كل من الرئيس »شريف« ورئيس الحكومة المقال »شيرماركي«، أعلن الأخير استقالته بعد لأي سجال بين الاثنين منذ فبراير 2009، انتصرت فيه الدول والمنظمات المانحة بادئ الأمر لرئيس الوزراء، فيما ظل »الرئيس« متمسكاً بموقفه لتحميل مسئولية التدهور الأمني والخدمي علي عاتق »شيرماركي«، إلي أن كان له ما أراد من استقالة الأخير »طوعاً« بعد نحو 18 شهراً، ربما تفادياً لمساءلته أمام البرلمان الذي قد يقضي بعزله بعد سحب الثقة منه، وليتم هذا كله في إطار حضاري لافت، وإن كان أمراً غير مألوف في دولة من دول العالم الثالث، ناهيك عن دولة فاشلة كالصومال.. تكتوي منذ عقدين بلهيب حرب أهلية، مما يشير إلي أن رأس الحكم في الصومال يملك رأساً باردة يدير بها الأمور، رغم القتال اليومي، بأكثر قدر من الحكمة، وهو المنهج الذي قد يؤدي إلي أن يكسب معركته الأكبر مع المتمردين المسلحين، من واقع أن حسم الخلافات بين كبار المسئولين الصوماليين، لا يقل أهمية عن مواجهة تهديد المعارضين المسلحين.
 
إلي هذا السياق، يمكن القول أن الصومال يخوض اليوم معارك متنوعة علي جبهات مختلفة، عسكرية للقضاء علي التمرد الداخلي، ودستورية لإخضاع مسودة الدستور الجديد لاستفتاء شعبي بعد استشارة واسعة ومستفيضة، الأمر الذي كان محل رفض رئيس الحكومة المقال، إذ كان من رأيه عرض »المسودة« علي البرلمان فحسب، بذريعة أن التطرف الأمني في البلاد لا يسمح باستشارة المواطنين، ومن المعركتين العسكرية والدستورية.. فضلاً عن التغيير في السلطة التنفيذية الي معركة دبلوماسية لجذب المساعدات السياسية والاقتصادية.. وتوريد الأسلحة التي قام مجلس الأمن بحظرها عن الصومال منذ يناير 1991، الأمر الذي أثمر في 22 اكتوبر الحالي عن البيان الصادر عن الاتحاد الأفريقي.. يطلب فيه من مجلس الأمن الموافقة علي زيادة قوات حفظ السلام الأفريقية العاملة في الصومال الي ثلاثة أضعاف.. ليصل حجمها الي نحو عشرين ألف جندي أفريقي، كما يطالب البيان بفرض حصار بحري وجوي لمواجهة القرصنة.. وتهريب السلاح الي المتمردين، إلا أن أهم المعارك التي يخوضها الصوماليون »للدفاع عن حق المظلومين«، وهي التي بدأت منذ أيام علي شبكة الانترنت لتتناقلها بقية وسائل الإعلام.. عن مواطنين صوماليين »أمين عامر« في كندا.. وغيرها، لدعوة ملايين الصوماليين في شتي أصقاع العالم.. الي مشروع الصومال الكبير، ذلك من خلال استخدام الصور القاسية، علي سبيل المثال، لوجه »حركة الشباب« المتمردة، الملثم والمخيف، فيما يظهر حالة الحكومة الصومالية المثيرة للشفقة، إلي استنكار حالة العداء لقوات حفظ السلام الأفريقية من الشعب الصومالي، الأمر الذي يتهافت عليه الصوماليون مما يلقبونه بـ»صوت الصومال«.. حيث تتنبأ هذه الرسوم الكاريكاتيرية بمصير المعارضة المسلحة التي تشبهها بـ»انسان مصنوع من قطع مركبة بدأت تتساقط واحدة تلو الأخري«، وما بين الإعجاب بهذه الانتقادات إلي الانزعاج منها، إلا أنها تعبر علي كل حال.. عن حراك مجتمعي غير مألوف منذ زمن في الواقع الصومالي.. الذي إن تعاظم الاهتمام  المحلي والإقليمي العربي به.. فسوف يكون للحالة الصومالية المأسوية.. شأن آخر غير ما هي عليه منذ عقدين دمويين.
 

شارك الخبر مع أصدقائك