شريف عطية

تراثنا الحضاري ومفاتيح الانتماء

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـــائي عطية:
 
يحرص الأفراد وتحرص الأمم علي الترقي بحاضرها، والإعداد لمستقبلها، حين يكون للفرد أو الجماعة أو للأمة ماض يُحرص عليه، لأنه صعب علي الفرد صاحب التاريخ أن يفرط في حاضره ويقبل علي الصغائر التي تنحر من رصيده الذي خطه وأرضاه، مثلما لا تسيغ الجماعات والأمم أو تقبل الانخفاض بحاضرها والعصف بمستقبلها والتضحية بالرصيد التليد الذي سطره الأسلاف!.. قيمة الماضي ليست في أنه صفحات تعاش، فمن المحال علي الأفراد والمجتمعات استرداد الماضي وممارسته كما كان، بل إن ذلك تخلف ضرير، لأنه يتجاهل ما أنجزته البشرية عبر أجيال وقرون من الطبيعي أن ينعكس علي حياتها، فهما واستيعابا وممارسة ونشاطا، قيمة الماضي في أنه يرسخ في المجتمعات كما يرسخ في الأفراد قيم «الانتماء» لهذا التراث القيم التليد الذي يجب أن يحفز الحاضر علي التقدم إليه.. إلي القيم والعمل والجهود التي خطته وسطرته وتركته شاهدا علي أن الأحفاد بمكنتهم أن يرتفعوا إلي الأسلاف حين يتمثلون ما بذلوه وما كانوا عليه من قوة العزم وعمق الفهم وصدق العمل.

 
انبهاري الممتد بالمركز المصري للتراث الحضاري والطبيعي، ليس مجرد عشق للماضي وإعجاب به، وإنما هو احتياج إلي تمثل واقتداء قيم العقل والفكر والعمل التي أفرزته.. كان ظني وأنا في الطريق إلي مقر المركز بالقرية الذكية علي مشارف القاهرة، أنني سأشاهد تراثا استاتيكيا من الآثار والمعابد والأديرة والكنائس والمساجد، ومن التماثيل والعمائر وغيرها من التراث «المادي» الذي شاع في أخلادنا أنه كل تراثنا أو يكاد.. لم أتخيل رصيدنا العلمي والفني والإنساني الذي أفرزته «قرائح» و«ملكات».. كانت قاعة الأفلاك والقباب السماوية والإسطرلابات والمزاول الرملية والشمسية والمائية مفاجأة تامة لا أخفي أنها أشعرتني بالزهو أنني من أحفاد صناع هذه الحضارة الإنسانية، وأنني من سلالة هذه العقول والمواهب التي أبدعت هذا الإبداع، وأنني منتسب بمصريتي وعروبتي إلي هذه المجموعة الفذة وعلي رأسها العالم النابغ والفنان بالموهبة الأستاذ الدكتور فتحي صالح.
 
نزعني واقع ما أشاهده من الفكرة القديمة أننا أميل إلي «الاستاتيكا» – علم الثبات، من «الديناميكا» علم الحركة.. ما كدت أفرغ من متابعة الآثار والمعابد والعمارة، حتي وجدتني أمام بحر فياض من التراث الإنساني الحي.. أجوب في أبهاء المركز وشاشاته وكتبه وأقراصه المدمجة، مع إسهامات الحضارة العربية والإسلامية في علوم الفلك من واقع المخطوطات العلمية بمكتبة الأزهر الشريف، وإسهاماتها في العلوم الطبية من مكتبات دار الكتب المصرية.. ثروة هائلة أرجو أن أعود إليها، ما كدت أنتزع نفسي من الانبهار بها، حتي وجدتني مع تراثنا الموسيقي الذي ما إن قلبت في العمل الرائع الذي به تم تجميع وفهرسة وتعبئة بقاعدة بيانات شاملة، وبكتب أيضا وبأقراص مدمجة إنتاج محمد عبدالوهاب وسيد درويش وسلامة حجازي وأم كلثوم، حتي تفاجئني صالة العرض الكبري: «بانوراما الحضارة» التي تتيح الرؤية في نطاق زاوية عريض ({180) علي تسع شاشات تفاعلية – بعرض لأوبرا فرعونية!.. الفكرة قد تبدو بعيدة عن أن تنسب إلي آلاف السنين، بيد أن هذا هو الواقع الذي تعانق فيه الحاضر الحي مع الماضي الإنساني التليد.. النص المكتوب نص فرعوني مكتوب بالهيروغليفية لغة القدماء، وفيه المقومات الدرامية للنص الأوبرالي، واللحن لمجموعة مصرية موهوبة استطاعت أن تستنطق النص وأن تعبر عنه بلغة موسيقية أوبرالية تصافح الآذان مع مصافحة النص للعيون مشفوعا بترجمة عربية أو إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية حسبما يريد المتلقي، التلحين للمايسترو شريف محيي الدين مدير مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية والتنفيذ التكنولوجي والترجمة والإشراف لعالم الأثريات الدكتور محمد صالح المدير السابق للمتحف المصري. نص أوبرا مدون علي «بردية» فرعونية صورها المركز من النسخة الموجودة بالمتحف البريطاني وطولها نحو 25 مترا، تحت اسم «كتاب الموتي»، والصحيح «الخروج إلي النهار» حسب مفهوم قدماء المصريين الذين نظروا إلي الموت لا علي أنه فناء، وإنما خروج إلي النهار، أي إطلالة علي العالم الآخر. النص للكاتب الفرعوني: «آني» يتحدث بالمنظور الفرعوني للبعث، عن مشاهد مرسومة علي البردية، أولها مشهد المحاكمة».. أي الحساب في العالم الآخر، ويتصدره «ميزان» للتعبير عن وزن أعمال المتوفي ممثلة في صورة «القلب».. قلبه، وفي مقابلها ريشة «الحق.. لوحة البردية ترينا أن عملية «الوزن» أو «الحساب» تجري علي مشهد من الإله «تحوتي» إله الكتاب والمعرفة (المتخذ رمزا لجامعة القاهرة)، وفي حضور التاسوع الإلهي حسب العقيدة الفرعونية، ونري المتوفي -في المشهد الملحن تلحينا أوبراليا- يقدم أعماله ساعياً لإثبات صلاحها ونقاء صفحته من الخطأ.. يؤيده الإله «تحوتي» ويصادق علي دفاعه، قبل أن يحكم التاسوع ببراءته التي تنجيه من أن يلقي إلي حيوان مفترس يأكله «هَمْ هَمْ» باليهيروغليفية، ويكاد نغم اللفظ يتفق مع إيقاع عامية اليوم إلي الأطفال: «هَمْ هَمْ»!!
 
في المشهد الثاني بعد تتويج الأول بالحكم بالصلاح وبالبراءة، يزف الموتي البريء في موكب أوبرالي في العالم الآخر يصحبه فيه «حورس» إلي الإله أوزرويس!
 
كان من الصعب ولا يزال، أن يشبع المتلقي مما يشاهده ويسمعه في المركز المصري لتوثيق التراث الحضاري والطبيعي.. كيف تروي ساعات قليلة ظمأ الإطلاع علي حضارة كانت، عمرت آلاف السنين، وقدمت كل ما هو رائع في الفكر والفن، وفي العلم والأثر، وفي العمارة والطب والفلك؟! عزائي أنني انصرفت أحمل مفاتيح مواقع المركز WWW.Eternal egypt.org و www.cultnat.oRG.
 
علي شدة الأشواق وعراضة الفضول طوال رحلتي من قلب القاهرة إلي أطرافها لمشاهدة المركز، وقدر انبهاري وإعجابي بما شاهدته، وتقديري العريض لمن يقومون بهذا الجهد الوطني الكبير، لم تخل رحلة العودة من «مضاضة» وإن لم تفلح في إخراجي من الإعجاب والعرفان بما شاهدت، إلا أنها بقيت واقفة في الحلق تستدعي كل علامات الاستفهام علي قدرتنا الهائلة علي انجاز هذا العمل الرائع ثم قعودنا الغريب عن تقديمه إلي الناس بما يشبه التفريط فيه!!!.. أين هذا العمل الجليل المنجز في أقل من سبع سنوات، والحاصل علي جائزة ستوكهولم العالمية الأولي في مسابقة: «جائزة ستوكهولم للتحدي» Stockholm challenge Awarde ؟!.. أين هذه التحف والبدائع التي تباهي العالم وتجلب احترامه وتقديره لمصر والمصريين- من خطابنا التعليمي والإعلامي والثقافي والسياحي!.. كيف نجمع ونبوب ونعبيء ونشرح بهذه الروعة هذا التراث العظيم الحضاري والطبيعي والإنساني، ثم نقعد عن تصديره إلي المصريين وإلي الدنيا بأسرها؟!. هذا الخطاب ليس عمل المركز ولا المتعبدين في صناعة المعجزات فيه، وإنما هو عملنا نحن.. عمل المؤسسات التعليمية وأجهزة الإعلام والثقافة والسياحة!.. كم يوفر نشر هذا العمل علي العالم – من نفقات باهظة تنفقها مكاتبنا السياحية المنتشرة في فروع الأرض!، لماذا نشغل المتبتلين في هذا العمل الرائع بعبء تقديمه إلي مصر والدنيا، ولماذا نحبطهم وهم يجمعون لنا تراثا من آلاف السنين فنبدد نحن – بحجبه! – حصاد ما صنعوه وأنفقوا الجهود في تجميعه؟!.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »