رجائى عطية

تداول العقائد والأعمال في تشكيل القواعد والأصول‮!‬ ‮»‬3-3‮«

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

ازدياد الفرص المتاحة في الحياة، بمضي الزمن، واقع موجود يصل الحيوات الخاصة بمزيد من فرص الراحة والتنعم واللحاق ـ كما قلنا ـ بأهل الرخاء في المجتمع.. وهذه نهاية اجتماعية سائدة في حضارة هذا الزمان، لا يفكر أحد في تغييرها أو تطويرها ليتخلص من الاعتماد علي المال والرخاء في إرضاء نفسه ومن في حكمها لديه من الأبناء والأهل والأصدقاء والأقارب.

إذ قد أخفتت آليات هذه الحضارة ومادياتها وضوضاؤها ـ أخفتت نداءات الأديان، وخفتت بسببها أصول أنظمة الرهبنة وفرق التصوف، وأعان علي هذا ـ القائمون علي شئون الأديان وشئون تلك الفرق والأنظمة ـ باشتغالهم عنها بمصالحهم الخاصة وأطماعهم الذاتية!

ولكن؛ لماذا لم يطلب الآدميون ـ المعرفة والعلم والمهارة؟ هذا السؤال يتوقف عليه أعمار الجماعات والحضارات وبقاؤها وزوالها في سياق إدمان الجري وراء القوة والسلطان والغني بلا التفات لاستمرار بقاء الحياة واستمرار ترقيها لدي مجموع الآدميين.. وقد ساق ذلك إلي الاضمحلال والتبعية والحاجة، وانتهي في الماضي بالحضارات والجماعات ـ انتهي بها إلي التحلل والزوال. فلماذا نتوقع نحن الآن ألا يصيبنا ما سلف أن أصاب من قبلنا ونحن مثلهم ـ وربما أكثر منهم ـ نجري وراء المزيد غير المسبوق من الماديات والآليات والقوي، ويزداد إغفالنا ـ غير المسبوق أيضًا ـ لضرورة استمرار الحياة بكل أنواعها، واطراد ترقيها لدي مجموع البشر بل لدي مجموع الأحياء.

 إن عموم البشر الآن في غيبوبة تكاد تكون مطبقة، غيبوبة عن ذلك العنصر المهم جدًا الذي غاب عن نظر الحضارات السابقة وعن التفات الجماعات التي انتهت أو ذوت أو انكمشت بعد الإشاحة عنه أو عدم التبصر به والالتفات إليه.

  ولا تتحقق الإفاقة من هذه الغيبوبة ـ كما قلنا ـ بالكلام مقولاً أو مكتوبًا، وإنما يمكن أن تتحقق بتجميع وتنظيم سلوك وتصرفات القليلين المصممين علي نجاة أنفسهم وجماعتهم، وعلي مواجهة الناس ومجابهتهم بقدرتهم هم علي الحياة النظيفة من الداخل ومن الخارج.. البعيدة عن الشره والطمع والدغل والإفراط والتفريط.. المليئة بالوفاء والمعونة والاهتمام بكل من حولهم وما حولهم، مع اعتدالهم في السعي للرزق وإعراضهم الخالص المخلص ـ قبل سواهم من خلق الله ـ عن الاحتياج للقوة أو الثروة أو الترف كبابٍ أو وسيلةٍ للاستمتاع أو الإحساس بالمكانة أو الأمان.

إن أولئك القليلين كثرة بالنسبة للفرد المنفرد.. وهذه حال أغلب الناس عادة في كل جماعة..وهم يكونون جماعة في عين وعقل وقلب كل من يراهم ويراقبهم ويشهد حياتهم وانتظامها ونظافتها وحظها من الثقة في حاضرها ومستقبلها، ويصبحون باستقامتهم وصلاحهم وعزمهم ـ عنوان حياة جديدة؛ تخالف مخالفة تكاد تكون تامة ما يراه الناس أو يسمعونه في محيطهم الخابي.. ثم تبدأ محاكاة حياة هؤلاء القليلين، ثم يترسمهم الناس عمدًا وقصدًا.. وهكذا يزداد ويكثر مع الأيام أولئك القليلون ويصيرون كُثرًا، وتأخذ الجماعة طريقها إلي الشفاء والصحة إن اتسع لها الزمن والظروف إلي ذلك، ولم تعجل بها أقدارها. وهكذا يمكن أن يجد الفرد ما يشتاقه وما يبحث عنه فلا يلقاه في بيئته!، ويلاقي ما يتمناه في الجماعة ممن يعيشون علي النقاوة والصدق والتواضع والمحبة والثقة، ويلقاه في نضارة وحماس الداخل والخارج لآدميين أحياء حياةً نظيفةً منتعشة مثوبة متطلعة إلي ما تظنه خيرًا للإنسانية والجماعة.. تتجلي قيمة ذلك بالمقارنة والمقابلة بما ران من بشاعة وضحالة وركود الآمال والتعلق بالمحال في الجمهور العريض المريض الحاضر الغائب المحاصر بذوي الأغراض والأمراض، المحجوب عنه ضياء العقل وأنوار الهداية والحياة.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »