رجائى عطية

تداول العقائد والأعمال في تشكيل القواعد والأصول‮!‬ ‮(‬1ــ3‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لا تجري حياة الآدميين جرياناً عشوائياً خالياً من القصد ومن الضوابط في أحيان كثيرة.. ومن يراقب ممارسة الآدمي لحياته في جماعة ما، في زمن ما، في عصر ما ـ يلاحظ أنها تجري علي وفق ضوابط تفصيلية مشتركة سائدة في سلوك الجماعة.. ليس لها حصر لفظي محدد دائماً يمكن لكل فرد تذكره وتذكر حدوده ومعالمه، وإنما يمكن لغالبية الناس الالتفات إليه في عاداتهم العملية وتصرفاتهم الفعلية.
 
بيد أن الجماعات كافة، تتصور أن في مكنتها اختصار وتلخيص وتركيز هذه التفصيلات الكثيرة ـ في قواعد وأصول عامة قابلة للحفظ والتذكر والتذكير بها.. وأنه من ثم يمكن حمل سواد الناس علي استيعاب ووعي هذه القواعد والأصول وعلي أتباعها دائماً أو في معظم الأحوال، ما دامت الجماعة ودام رضاء غالبيتها ـ الفعلي أو الظاهري ـ عنها.
 
وهذا الصور قديم، ومازال موجوداً في بنية النظام القانوني والقضائي في المجتمعات المتحضرة.. وهو إن أصاب هدفه جزئياً، أخطأه في بعض أو معظم الأحيان.. ومن ثم عاشت هذه القواعد والأصول أعماراً أطول من عمر إتباع الناس لها إتباعاً فعلياً حقيقياً. وبات عدد مهم من هذه القواعد والأصول لا يتبع ولا يشاهد في سلوك أغلب الناس، وإنما بقي مع ذلك وبرغمه ـ موضع احترام نظري في الظاهر، وما يزال من ناحية أخري يحكم كبرياء الناس وتماجدهم وكل ما يحرصون عليه من مظاهر المجد والفخار.. وما زال أيضاً يحكم مؤسساتهم ويجري الحديث عنه في نظمها ويتغطي أو يلتفح به سلوك الناس في حياتهم.. خاصةً كانت أو عامةً.. وتملأ ضوضاؤه وصخبه ولفظه ـ تملأ أفواههم وأشداقهم وتجري علي ألسنتهم وتحتشد بها محافلهم!!
 
ساعد علي هذه المفارقة، ميل أغلبية الناس من قديم الزمن ـ إلي أن يعيش كل واحد منهم حياتين متلازمتين ولكنهما مختلفتان إحداهما عن الأخري.. اختلافاً كثيراً أو قليلاً.. هذه مستورة أو شبه مستورة عن عيون الآخرين والغرباء، وتلك ظاهرة مبداة يمشي بها صاحبها في محيطه وبين المتعاملين معه ممن لا شأن لهم بداخلياته.. ويجتهد ما وسعه الجهد في الإبقاء علي ما يعرفه الغير عنها في حدود هذا الظاهر البادي أو المبدي.. يساعده علي ذلك أن هؤلاء لا يتجاوزون الظاهر ولا ينقبون عما عساه يكون وراءه أو تحته.. لأنهم عادةً لا يهتمون بذلك.. خاصةً إذا ما كان يتعلق بالعاديين وسواد الناس وعامتهم!
 
وهذا الازدواج يتطور مع تطور أخلاق الأغلبية وسلوكها وعاداتها ضد النواميس والضوابط والأصول المقررة فيها من قديم.. ولم تعد غالبية الناس الآن تخفي أو تتستر علي ما كانوا وكان آباؤهم يعدونه من قبيل الفحش أو الغش أو الغدر أو الخطف أو الخيانة أو الرشوة أو التزوير أو النصب.. إذ لم تعد تلك الضوابط والأصول التي كانت مقررة ـ إلاَّ حبائل ووسائل لاستراق ثقة السذج وإيقاع المغرور وخديعة الجاهل أو الغبي.. ومن ثم أخذت الدعامات الأساسية للمجتمعات الحالية ـ أخذت تتداعي.. ولا يغيثها من هذا التداعي كثرة الإحصاءات والبرامج والخطط والاتفاقات والمؤتمرات والمعاهدات والأنظمة والقوانين.. لأن هذه كلها لا تتمتع بثقة وقبول عموم الناس.. ولم يعد الكلام ينفع ولا يشفع، أو يملأ عقول الناس ونفوسهم بإمكانات وحلول يتولي أمرها سواهم.. بينما جعل هذا الخلل القديم ـ يستفحل في عقول ونفوس شعوب أهل الأرض قاطبةً!
 
ثم إن الأصول العامة، ومبادئ الأخلاق، تخضع للشيخوخة وعوارضها بفعل الزمن كما يخضع كل ما مع الآدميين أفراداً وجماعات.. بفارقٍ واحد : أن الأصول والمبادئ معمرة تعيش قروناً بعد زوال ونسيان ما كانت قد أسبغته خلال بقائها.. وخلال فترة هذا البقاء تنمو حتماً بذورٌ لأصولٍ ومبادئ غامضة جديدة.. تتسرب إلي الظهور ببطءٍ في الخفاء، ثم إذا قويت يتزاحم عليها الناس ضمن الموجود المتبع في وعي الآدميين، ويتداخل الموجود مع المنتحل، تداخلاً لا يدركه غالبية الناس إلاَّ حينما يشعرون بأن ما يتداولونه نقلاً عن آبائهم ـ قد فقد مكانته ومعناه وفاعليته واحترامه.. وعند ذلك فقط يعانون الإحساس بقدر ما فقدوه تحت ضغط الأزمات ووقع الفتن والكوارث!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »