رجائى عطية

تداول العقائد والأعمال في تشكيل القواعد والأصول‮!‬ ‮(‬2‮ ‬ـ‮ ‬3‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية

والاختلاط والتزاوج الذي يجري بين الموجود في وعي الناس من الأصول والمبادئ، وبين المنتحل أو الطارئ أو الوافد- ليس مفاجئاً كما يبدو لكثيرٍ من الناس.. وإنما بدا لهم كذلك لطول الغفلة وقلة الملاحظة وعدم المبالاة والاستسلام التام- المريح!!- لمطالب ومصالح وشهوات الحاضر التي تداعت بسببها- دون أن يشعر الناس- كل دعائم ما كان موجوداً وبات عارياً ضارياً!

هذا مع العلم بأن الأصول والمبادئ الجديدة- لا تستتب ولا تستقر مكانتها في نفوس وعقول الكافة، ويتأكد لها لديهم معني إيجابي مطرد وقوي يكون دعامةً لمعالم حضارة جديدة، إلاَّ بعد أن تجتاز مراحل الحيرة والتخبط في التجربة والخطأ، واتساع مساحة العُرْي بكل ما تحتويه من اضطرابات ومحن وضياع للفرص الطيبة وخسارة في الأنفس والأموال والجهود!

ذلك لأن احتشاد الآدميين في جماعات كبيرة، وإن كان يعينهم في البدايات علي المزيد من الاتحاد والثقة والقوة، إلاَّ أنه يسوقهم في النهايات إلي مصاعب حين تستفحل العيوب في الجماعة، وتتفاقم الآفات والخلافات، وتتمكن منها الأغراض والشهوات، والمواجد والأحقاد.. فيصير علاجها عسيراً شديد العسر والصعوبة، مليئاً بالنكسات والانتكاسات، طويل الأمد لطول أمد الفرقة والريبة وسوء الظن وقلة الصبر ووهن العزائم وضعف الإيمان بالنفس والمستقبل!

خلال هذه الآماد الطويلة من الخفوت والاعوجاج، يتداول علي قيادة الناس- في محنتهم الطويلة!- جاهلون وأشباه رجال وكاذبون وخونة ومضللون، ويتواري أو يجبن أو يتشكك في نفسه- القوي والصادق والقادر والمخلص، ويدفعهم إلي التواري أو الانكفاء أو الترفع- ما يتعرضون له ويلاقونه من الأذي والمكائد والإبعاد وتدمير السمعة بل وتهديد الحياة ذاتها.. حين ذلك تصعب رؤية الواقع لدي معظم الناس، ويقل علي نحو غير عادي- استعدادهم للتعقل والفهم، نتيجة أزمات اعتبارهم علي عدم احترام العقل وعلي الخفة أو الغفلة أو عدم المبالاة بغير الشهوة والمصلحة!

وقوة الجماعة محصلة- في الواقع- لقوة أفرادها العقلية والنفسية والبدنية، وهذه القوة لا تجيء أو تذهب بمشيئة هذا أو ذاك من البشر، إنما تجيء علي أكتاف وسواعد غالبية الأفراد عند تساندها وتماسكها، وتذهب حينما تكل تلك الأكتاف المتساندة أو تضعف، أو تهن وتتفكك تلك السواعد التي كانت متماسكة. وهذا التكاتف والتساند والتماسك وليد عقيدة صادفت ووجدت استعداداً للعمل لدي معتقدين وأيدٍ تحمل تلك العقيدة فأنتجت مزيداً من العمل الذي أنتج مزيداً من قوة العقيدة.. وهكذا توالي العطاء والأخذ والأخذ والعطاء بين العقائد والأعمال وبين الأعمال والعقائد.

لا يقوم مقام هذا التداول- مجرد كلام مهما كان بياناً للعقيدة أو تعريفاً بالرأي أو الخطة أو المذهب السياسي أو الاقتصادي أو الأخلاقي أو الاجتماعي.. وليس يجدي في ذلك بلايين المطبوعات والتسجيلات التي لا تنقطع في الحضارة الحالية التي لم تفلح في انقاذها مما يهددها ويهدد الجماعات الإنسانية التي تعيش هذه الحضارة.. هذه المطبوعات والتسجيلات المنهمرة قد تؤدي بقارئيها وسامعيها إلي زيادة قوة المعرفة إلي أقصي حد، ولكنها قد تؤدي إلي هدم الفنون والآداب وما إليها، بسبب ما يعتري سلوك الآدميين من انبهار بمنتجات هذه الحضارة، ومن غفلة ممزوجـة برغبـة وشـوق وإصـرار علي أنانية لا يستطيعون أن يروا حياتهم إلاَّ بها ومن خلالها!!

إن الغاية الأساسية التي يراها الإنسان العادي- في ذلك السيل الجارف من المطبوعات والتسجيلات، هي أن يتعلم ويعرف ليكسب كما كسب المؤلف والمترجم والناشر، كل من حرفته وعمله، وليرتد كسبه علي حياته الخاصة بمزيدٍ من الراحة والتنعم اللذين يستمتع بهما أهل الرخاء في مجتمعه!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »