Loading...

تداخلات الثقافة والقيم والاقتصاد في مصر

Loading...

تداخلات الثقافة والقيم والاقتصاد في مصر
جريدة المال

المال - خاص

10:26 ص, الأحد, 6 أبريل 03

علي فهمي:
 
لعل من أبرز سلبيات النظام التعليمي في مصر، الولع ـ بحمق وغباء ـ بالتخصص الدقيق وعدم  الالتفات  إلي الخطوط والخيوط المتداخلة بين دوائر معرفية أخري تتصل من قريب أو من بعيد بهذا التخصص الدقيق (مع كافة التحفظات حتي علي  الثراء العلمي للتخصص الدقيق) وتنسحب سلبيات  النظام التعليمي هذا ـ بالضرورة ـ علي الفصل الصارم بين متخذي ومنفذي السياسات المختلفة والعديدة التي تديرشئون المجتمع المصري وإذ يكون ذلك، فاننا نعمد ـ هنا ولمجرد فتح الشهية نحو حوار علمي ومعرفي جاد ومحترم ـ نعمد إلي رصدٍ وجيزٍ لبعض التداخلات  والاشتباكات بالغة التعقيد بين العديد من  القيم  الاجتماعية والثقافية السائدة من ناحية والسلوك الاقتصادي لغالبية الناس من ناحية أخري .

 
ونحن نعرف ـ علي سبيل المثال ـ من القراءة المتأنية للمصادر المعتمدة في التاريخ الاجتماعي  المصري في القرون  الوسطي، أن جداراً قوياً كان يقوم من عدم الثقة المتبادل بين جماهير الشعب والسلطات  المتعاقبة وهذا الشك المتبادل له ـ بالضرورة ـ ملامحة علي هذه العلاقة المتبادلة حتي وقتنا الراهن وقد نُلح إلي أن التضارب في  السياسات  الاقتصادية وعدم استقرارها لوقت كافٍ وعدم التأني  في أي تعديلات علي مثل هذه السياسات، يعيد الجماهير إلي كهوف الذكريات  البعيدة الماضية مما يُعمق فجوة عدم الثقة المتبادلة. وقد تكفي الاشارة الوجيزة إلي فجائية قرارات «تعويم الجنيه المصري» التي صدرت مؤخراً في توقيت نراه غير ملائم من نواحٍ عديدة .
 
وإذ تكون السلطات المتعاقبة في مصر، قد عمدت إلي ضروب الجباية المتعسفة والمصادرات الظالمة والمفارم منذ قرون طويلة عديدة وحتي أواخر القرن التاسع عشر، فيبدو ـ لنا ـ أن هذا كله رسَّخ في الضمير الجمعي للجماهير العريضة من المصريين ضرورة وشرعية التحايل علي السلطة من جانبهم وبخاصة في الامور  المالية الاقتصادية، كنوعٍ ذكي من أنواع «الحيل الدفاعية» بلغة أهل «التحليل النفسي ».
 
فالمصري البسيط يخشي اللجوء إلي الاوعية الادخارية الرسمية، مهما أحيطت بضمانات قانونية وتشريعية، إذ يري هذا  المواطن البسيط أنه يمكن ـ في لحظة واحدة ـ الاطاحة بهذه الضمانات والالتفاف الرسمي حولها وحتي التنكر لها بالغائها تماماً ومن ثم يمكن أن نفسر ـ علمياً وموضوعياً ـ هذا اللجوء الجماهيري الكاسح للادخار والاستثمار عن طريق شركات توظيف الاموال سيئة السمعة خلال الثمانينات من القرن الماضي بخاصة، مع أن الدولة كانت قد تبنَّت سياسات اقتصادية معاكسة للسياسات السابقة منذ منتصف سبعينات القرن المنصرم، وأحاطت المشروعات الاستثمارية الخاصة بكافة الضمانات القانونية المعقولة وحتي غير  المعقولة ونحن نعلم ـ يقيناً ومن الملاحظات الميدانية العلمية المتبصرة ـ أن معظم من يقدر علي التهّرب من الضرائب او الرسوم الجمركية، يفعل  ذلك دون أن يشعر بأي ذنب أو إثم، ولذلك فإن حصيلة الضرائب تكاد تقتصر علي  فرضها علي الاوعية الضريبية المحددة بدقة مثل مرتبات المستضعفين في الارض من موظفي الدولة أساساً، والضريبة في هذه الحالة تبدو قسرية ولا مهرب منها فهي بمثابة حجز عند المنبع .
 
ومعظم المواطنين في المجتمع المصري يميلون إلي  اخفاء حجم دخولهم الحقيقية وبخاصة تلك  التي يكسبونها او تؤول إليهم من غير انشطتهم الوظيفية المحددة. فإذا ألمحنا ـ أيضاً وبالاضافة ـ إلي أن العديد من هذه الدخول هي من قبيل «الاثراء بلا سبب» بلغة أهل القانون، وتشكل جرائم مؤثَّمة قانونا مثل: التربح والرشوة وتجارة المخدرات والقوادة ونحو ذلك، لأمكن ـ علمياً وموضوعياً ـ فهم مثل هذا السلوك الشاذ. ومن الضروري أن نشير إلي مسألة بالغة الاهمية وهي أن هذا الاسراف الذي تشهده الترسانة  التشريعية لمصر، يبدو عديم الجدوي في التصدي لمثل هذه الظواهر والسلوك. فعلي سبيل  المثال يعرف جميع المُخاطبين بقانون الكسب غير المشروع، والذي صدر قبيل ثورة 1952، يعرف هؤلاء جميعا أن انفاد نصوص هذا القانون لا يتم علي نحو فعَّال لسبب بسيط وواضح الا وهو أن كافة موظفي ومستخدمي الادارة المصرية وهم عدة  ملايين يخضعون ـ وجوبياَ ـ  لنصوص هذا القانون، بينما تناط مهام  الفحص القانوني بعدد محدود من رجال القضاء، وأن ما يُكشف من شبهات من آن لآخر، إنما تتأتي في الحالات الصارخة  وعلي ضوء شكاوي في  الغالب .
 
وإذ  نحاول التبسيط، فإن  من  المعروف والمتداول والشائع أن أعداداً هائلة من الجماهير هم ممن يعملون في دائرة أنشطة الاقتصاد غير الرسمي، مثل العديد  من الحرف والورش الفردية ومجال تجارة التجزئة والاسواق نحو ذلك، وهؤلاء لا  تتسم دخولهم بالاستقرار، كما تشيع بينهم ظواهر البطالة الجزئية، مما يعرض الاقتصاد الاسري والمنزلي لتقلبات كثيرة معظمها يتسم بالسلبية والخطورة ومن هنا فنحن نحيل إلي تفسير هذه الظاهرة الغالبة والكاسحة بين معظم إن لم يكن كل الزوجات وربات البيوت من هذه الفئات العريضة، ألا وهي اللجوء إلي شراء الذهب واكتنازه ـ  مهما قل  كم هذا الذهب ـ لمواجهة الظروف الصعبة المحتملة من بطالة رب الاسرة او مرض احد افرادها ويجدر ـ بنا ـ كباحثين علميين وطنيين ، ألا نلوم مثل هذه  الظواهر والسلوك، بل علينا أن ندرسها ونتفَّهمها، ونحاول وضع الحلول الملائمة أن كان ثمت. وقد يكون من الوارد ـ  هنا ـ أن نقترح تشجيع حركات تعاونية واسعة النطاق، بدون تدخل بيروقراطي يفسدها ولعنا أن نشير إلي أهمية ما يعرف بمصطلح «الجمعيات الادخارية»، والتي تتم لمدة محدودة بين الاقارب والجيران والاصدقاء والزملاء وبخاصة من الفئات الفقيرة، والتي نعتقد أنها واسعة الانتشار وبالغة الفائدة في آن، ويُسمح فيها بالكثير من  مظاهر التعاون الجمعي بين  المشاركين وبخاصة لدي الظروف الصعبة .
 
وإذ نرصد  ـ عن كثب وبحسرة بالغة ـ ما عانته وتعانيه جهود الخصخصة «والاستثمار» في مصر، برغم  التيسيرات  والتسهيلات العديدة  التي تبدو احياناً مبالغاً فيها، فإننا نرجع معظم ما حدث وما يحدث إلي أمرين هامين علي النحو التالي :
 
الأمر الأول ـ بيروقراطية وشيخوخة نظام  الادارة في مصر، والمسألة في رأينا ليست في قلة أو قصور  التشريعات واللوائح والقواعد المنظمة، فهذا كله وارد بيد أنه ليس بعيد التأثير تتعلق الازمة في إنقاذ هذه  القواعد القانونية واللائحية علي الوقائع المعروضة، فمعظم من يناط بهم  التنفيذ هم  من صغار ومتوسطي المسئولين البيروقراطيين، وهم يخشون الوقوع في دائرة الخطأ، وقد  تربَّوا ـ تعليماً وثقافياً ـ علي  الخوف من تحمَّل أي مسئولية، وبخاصة في حالة تشعب وتوزع المسئوليات والعمليات التنفيذية، كما أنهم يدينون بنوع من  النفاق المعيب تجاه رؤسائهم، فضلا عن تدني مرتباتهم ودخولهم  الرسمية، مما ينقلنا ـ مباشرة ـ إلي الامر الثاني .
 
الأمر الثاني ـ أن  المجتمع المصري ـ علي طول تاريخه ـ لم يعرف «الوظيفة العامة» التي تتلخص في تقديم خدمة عامة مقابل أجر محدد يتلقاه  الموظف كراتب منتظم من جانب  الدولة، نقول لم يعرف المجتمع المصري حدود هذه الوظيفة العامة إلا منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، عندما اصدر العاهل العظيم «محمد علي» قانون السياسة البالغ الشهرة عام 1834. أما الوظيفة العامة في  مصر قبل هذا التاريخ فكانت تقوم علي فكرة قريبة من نظام  الالتزام  الذي كان معروفاً في جباية الضرائب علي الحيازات  الزراعية إذ كان الموظف يعين ـ لفترة مؤقتة ـ بعد دفع جُعل مالي للسلطة المعنية، وتطلق السلطة يده في الحصول علي ما يطلبه من مالٍ من الجماهير طالبي الخدمة العامة ونحن نعتقد أن هذا النظام الشاذ  الذي اكتنف ملامح الوظيفة العامة في  مصر في القرون الوسطي، هو المسئول الرئيسي عن سيادة قيم وسلوك  الرشوة والإرشاء وجرائم الفساد الوظيفي الاخري، وبخاصة وأن  القيم الاجتماعية الثقافية الغالبة لا تكاد تدين هذا السلوك، بل تلجأ إلي التعامل معه بالكثير  من التسامح الاجتماعي، وعلي الاخص  مع التدني الكوميدي / التراجيدي في  الدخول الرسمية لغالبية الموظفين الحكوميين .
 
وختاما، فنحن أبعد مانكون أن نأخذ دور الواعظ والناصح في  هذه  الظروف الحرجة، كل  ما نهدف إليه  هو محاولة تسليط الاضواء العلمية والموضوعية والدقيقة علي دوائر  التداخلات والتشابكات  بين ميادين ومجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في بلدنا .
 
والله تعالي أعلم .
جريدة المال

المال - خاص

10:26 ص, الأحد, 6 أبريل 03