اقتصاد وأسواق

تدابير جريئة لإنقاذ العالم من الرگود الحالي

  خالد بدر الدين   ليست هناك علاقة في العالم أكثر أهمية من العلاقات الأمريكية الصينية، خاصة ان الولايات المتحدة الأمريكية هي اهم سوق للمنتجات الصينية وتحقق وحدها 260 مليار دولار من اجمالي الفائض التجاري الصيني البالغ 295 مليار دولار.…

شارك الخبر مع أصدقائك

 
خالد بدر الدين
 
ليست هناك علاقة في العالم أكثر أهمية من العلاقات الأمريكية الصينية، خاصة ان الولايات المتحدة الأمريكية هي اهم سوق للمنتجات الصينية وتحقق وحدها 260 مليار دولار من اجمالي الفائض التجاري الصيني البالغ 295 مليار دولار.

 
وذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز ان الرسالة التي تكررها إدارة الرئيس باراك أوباما منذ تقلدها السلطة تطالب بتكوين مجموعة الـ»2«، اشارة الي التعاون القوي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وعدم قدرة احداهما الاستغناء عن الآخر، لا سيما خلال الأزمات الاقتصادية التي تزيد من العلاقات المتبادلة بينهما، لدرجة أن الصين باتت أكبر عميل لسندات الخزانة الأمريكية بفضل فوائضها الضخمة من الاحتياطي الأجنبي وذلك لانقاذ الولايات المتجدة من عجزها الضخم وركودها الاقتصادي وأيضاً لانقاذ بقية الاقتصادات العالمية.
 
وإذا كان معدل نمو الصين سيظل هذا العام من أكبر المعدلات في العالم، الا ان الازمة المالية العالمية ستقلل من الطلب علي المنتجات الصناعية الصينية ويؤدي بالتالي إلي توقف المصانع عن الانتاج وهذا يعني أن عدد العاطلين سيصل إلي أكثر من 50 مليون شخص.
 
ومع تزايد التوقعات المتشائمة باستمرار الركود الحاد حتي العام المقبل ومنها البيانات الصادرة مؤخراً عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية »OECD «، التي تقول ان الاقتصادي العالمي سيتعرض لانكماش قدره %2.7 هذا العام، مما يعني ان انتاج الدول الغنية سينهار بأكثر من %4 وهذا أقل مستوي يصل إليه منذ الثلاثينيات.
 
ولذلك يطلب صناع السياسة وخبراء الاقتصاد في مختلف دول العالم من الصين اعادة هندسة الاقتصاد العالمي والانتقال به من اعتماد نموه الاقتصادي علي التصدير إلي الاعتماد علي الاستهلاك المحلي، بعد ان فقد المواطنون الامريكيون قدرتهم علي تمويل الطلب المحلي، مما يحتم علي الصين الاسراع بزيادة النمو في استهلاكها المحلي لأن هذا سيخفف الضغوط علي بقية البلدان التي تعرضت للانهيار بسبب ضعف الطلب العالمي خاصة الأمريكي.
 
ولكن حتي إذا عاد الانتعاش الاقتصادي فإنه سيتميز بالضعف الشديد، لأن الدول التي كانت تعتمد علي الصادرات وتريد توجيه اقتصاداتها نحو الانفاق المحلي مثقلة بالديون القومية وميزانياتها مليئة بالعجز الضخم.
 
 وتتوقع منظمة »OECD « استمرار انخفاض النمو العالمي خلال عام 2010، مما سيؤدي الي اتساع فجوة الإنتاج العالمي وهي الفرق بين الأداء الفعلي والأداء المتوقع للاقتصاد العالمي، لتصل إلي %8.5 من الناتج المحلي الاجمالي العالمي وهذا بدوره سيدفع معدلات البطالة إلي مستويات قياسية في معظم الدول الغنية كما سيترك العديد من الدول الأخري علي حافة الانكماش.
 
ويسعي صناع السياسة إلي توفير أكبر تدابير مالية لانقاذ الاقتصاد الكلي وذلك لأومر مرة منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قامت البنوك المركزية الكبري في العالم بتقليص أسعار الفائدة إلي حوالي صفر أو %1، كما تنفذ دول أخري سياسات اقتصادية لم تجربها من قبل مثل سياسة التوسع الكمي وكذلك خفض الضرائب.
 
ولكن التأثيرات السلبية الناجمة عن انخفاض حصيلة الضرائب مع ارتفاع اعانات البطالة، أدت إلي تفاقم العجز في الميزانية في الدول الغنية لتجاوز عجزها المعتاد بحوالي %6 من ناتجها المحلي الاجمالي، كما جاء في التقرير الذي نشرته مجلة إيكونوميست هذا الأسبوع.
 
وتلقت المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي دعماً متزايداً لمساعدة الاقتصادات الناشئة والبلاد النامية غير القادرة علي تجنب الوقوع في هوة الحمائية، وان كانت هناك بعض البوادر علي انهيار بعض هذه الاقتصادات، غير أنه لا توجد مظاهر تدل علي تكرار حالات التسول الفردي والقومي التي شاعت خلال كساد الثلاثينيات.
 
ومع ذلك هناك بعض الاحصائيات المتفائلة في استعادة الإنتاج الصناعي العالمي مستوياته الطبيعية، لا سيما في آسيا كما ان انفاق المستهلك الامريكي لم يعد ينزلق في الاتجاه الهابط وظهرت بوادر علي استقرار سوق العقارات الأمريكية.
 
وتؤكد التقارير أيضا ان قروض الرهن العقاري في بريطانيا قد وصلت إلي أدني مستوي لها وبدأت في الصعود ولم يعد المستهلكون يشعرون بانعدام الأمل الذي شعروا سابقاً، كما أن الشركات بدأت تتنفس من جديد مما ساعد البورصات علي الصعود من المستويات الدنيا التي وصلت إليها خلال الشهور الماضية، ولكن لا يجب ان يبالغوا في الاعتماد علي هذه البيانات المغرقة في التفاؤل، لأن المخاطر تكمن في الركود الحالي إذ ان ارتفاع معدلات البطالة ستؤدي إلي جولة جديدة من انخفاض الانفاق الاستهلاكي وعدم قدرة الشركات علي سداد ديونها مما ستنجم عنها مشاكل أخري في أسوق الائتمان.

 
ولما كانت الدول الغنية مثل مجموعة العشرين تسيطر علي حوالي %90 من الاقتصاد العالمي، فانها تسعي لاعادة صياغة القواعد التي تنظم الأسواق المالية العالمية حتي لا تتكرر هذه الأزمة مرة أخري واعادة تشكيل المؤسسات المالية العالمية وبذل أقصي الجهود لمحاربة أسوأ ركود عالمي منذ 80 عاماً، لأن الاقتصاد العالمي علي وشك الدخول في مرحلة الانكماش، فقد خفضت الشركات العالمية إنتاجهاً بمعدلات كبيرة وتأجلت الاستثمارات لعدة سنوات مقبلة وتم تسريح العاملين بالملايين ومازال النظام المالي مليئاً بالعيوب وانكمشت التدفقات التجارية باسرع معدل لها منذ الحرب العالمية الثانية وانهارت الاقتصادات المعتمدة علي التصدير من المانيا إلي اليابان وتقلصت التدفقات الاستثمارية، مما أدي إلي دمار الاقتصادات الناشئة لا سيما دول شرق أوروبا التي تعتمد علي القروض الأجنبية.

 
ورغم تزايد المخاطر من تفاقم الديون القومية وتضخم العجز في ميزانيات البنوك المركزية العالمية، فإن اعادة التدابير النقدية والمالية إلي حالاتها الطبيعية سيكون أيسر بكثير من انقاذ الاقتصاد العالمي من هوة الانكماش التي سيقع فيها إذا صحت توقعات منظمة »OECD «.

 
والدرس المستفاد من الأزمة المالية الراهنة هو أن الحكومات يجب أن تتصرف بسرعة وحزم لتطهير وتنقية ميزانيات بنوكها وشركاتها، حتي يتحقق الانتعاش بأسرع ما يمكن وتخفيف الأضرار علي المالية العامة، خاصة ان الطريق امام انقاذ البنوك من أزمتها المالية علي خلفية النمو الاقتصادي العالمي القومي بات مسدوداً.

 
وبالنسبة لكل دولة علي حدة فإن المشكلة تزداد سوءاً فقد فشلت بريطانيا مؤخراً في بيع جميع السندات الممتازة التي تريد بيعها وايرلندا مرغمة علي اتباع سياسة مالية متشددة وفشل صندوق النقد الدولي برغم جهوده الضخمة في انقاذ بعض الاقتصادات الناشئة، كما ان انهيار عملات بعض الدول وعدم قدرتها علي سداد ديونها جعل الأزمة الراهنة تتفاقم بشدة، والمطلوب عمل خطط جرئية مثل التي تنفذها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تناسب وضعها المالي والاقتصادي والتي يجب ان تستخدمها دول أخري مثل المانيا وان كانت التدابير التي تنفذها البنوك الأمريكية مازالت غير كافية.
 
والمهم أيضا ألا تكتفي الحكومات بزيادة الانفاق حالياً وانما بوضع خطط واضحة ومؤكداً لاستعادة الانتعاش في المستقبل، لأن الخطط الجرئية لا تعني حلاً واحداً يناسب جميع الدول ولكن يجب علي كل دولة علي حدة ان تنفذ اجراءات مختلفة تناسبها ولصالحها من أجل الاقتصاد العالمي.
 
ومن ضمن هذه الخطط الجرئية توثيق التعاون بين الصين والولايات المتحدة الامريكية، لا سيما ان الازمة الراهنة جعلت العالم يواجه ظروفا مختلفة لم تعد تعتمد فيه الصين ولا الدول النامية علي الاستهلاك الضخم من جانب الأمريكيين وهذا يعني اعادة هيكلة طويلة وصعبة للاقتصاد العالمي حتي يعود للانتعاش القوي بقيادة مجموعة الاثنين.

 

شارك الخبر مع أصدقائك