تاكسى الثورة !

شارك الخبر مع أصدقائك

بلال فضل :

كتبت مرة على (تويتر) أقول: «بعض النشطاء يقيِّمون موقف الشعب من الثورة بناء على سائقى التاكسى الذين يركبون معهم فيتضح أنهم مؤيدون للثورة بحماس شديد، وينسون أن لدى سائقى التاكسى موهبة فى «تقييف» الآراء حسب رغبة الزبون تنافس موهبة فتحى سرور فى ذلك»، وبعدها قرأت تعليقا ألطف كتب قائله: «يغيظنى بشدة النشطاء الذين يكتبون أنهم مندهشون لأنهم ركبوا مع سائق تاكسى ولم يقل أى رأى عن الثورة»، بصراحة لست من المتحمسين لتقييم موقف الشارع من الثورة بناء على آراء سائقى التاكسى، ليس لأننى أتخذ موقفا سلبيا منهم، بل لأننى لم أعد أركب التاكسى كثيرا منذ أصبح لديّ سيارة.

يعتقد البعض أن ظاهرة انشغال سائقى التاكسى بالهم السياسى ظاهرة محلية بحتة، والحقيقة أنها ظاهرة عالمية تؤرق كل ركاب التاكسى فى شتى بلاد الدنيا، هناك عبارة شهيرة للكوميدى الأمريكى جورج بيرنز تقول «من المؤسف أن كل من لديهم خطط رائعة لحكم البلاد مشغولون بالعمل كسائقى تاكسى أو حلاقين»، لكن للأمانة كلما تصادف أن ركبت مع سائق تاكسى بسبب ظروف تخص سيارتى، وجدت لديه وجهة نظر تستحق التأمل، أو وجدته «مشغّل الكاسيت» بصوت عال يعفينى من تأمل أى وجهة نظر له.

نادرا ما أركب مع سائق تاكسى وأجده يتعرف على شخصى الكريم، وهو ما يشى بانشغال غالبية السائقين فى لقمة العيش بعيدا عن صخب الفضائيات، وهو أمر كان يمكن أن يكفل لهم نقاء وجدانيا وبراءة سياسية تجعلهم مصدرا رائعا للحكمة، لكنهم للأسف يمتلكون حصيلة معرفية فتاكة تعتمد على سلاح الدمار الشامل المعروف بإسم «ركب معايا واحد وقالي»، عقب خلع مبارك ركبت مع سائق تاكسى قال لى إن أحد أعضاء المجلس العسكرى ركب معه وقال له إن مبارك سيعود للحكم الشهر المقبل بعد ما نلم كل العيال اللى عاملة قلق فى التحرير، لم أسخر من كلامه لأنه كان فظا غليظ القلب فانفضضت من نقاشه وسألته فقط: هو انت شفت شكله قبل كده فى التليفزيون مع بتوع المجلس العسكرى، فردَّ بجدية: وهو أنا يابيه فاضى للتليفزيون زيكو.. أنا راجل باشقى على لقمة عيشى، تجاهلت اللمزة البادية فى كلامه وسألته: طيب هل كان لابس بدلة جيش عليها رتبة لواء، رد بتلقائية: لا، الصراحة هو كان لابس ترينج، تجاهلت البلاهة الطافحة من إجابته وسألته: ممكن كان رايح نادى من بتوع الجيش وعشان كده نازل بالترينج.. يبقى أكيد قال لك بنفسه إنه عضو فى المجلس العسكرى، قال لي: بصراحة الكدب خيبة، بس هو شكله راجل ليه هيبة جاله تليفون وكان عمال يقول للى بيكلمه أنا جاى من المجلس حالا.. قعدنا كتير فى المجلس.. هاروح بكره اجتماع المجلس.. هو يابيه فيه مجالس شغالة اليومين دول فى البلد غير المجلس العسكرى. مت من الضحك يومها، وظللت أروى الواقعة كثيرا لأصدقائى متندرا، قبل أن تجعلنى تطورات الأحداث على أن أحكيها بوصفها خبرا جادا، بل وأسأل نفسي: يا ترى من كان عضو المجلس الذى ركب مع السواق إياه؟.

بالأمس كان لدى مشاوير متعددة منذ الصباح الباكر، ركبت من أجلها أكثر من خمسة تاكسيات، ثلاثة منها كان بها زبائن يكرهون الثورة، وركاب الاثنين الباقيين كانوا يكرهون الثورة ويكرهون أنفسهم أيضا، لو كنت من هواة الاستسهال الثورى لوصفت التاكسيات الخمسة التى ركبتها بأنها ليست سوى لجان إليكترونية متنقلة بين أحياء القاهرة أو غرف عمليات للثورة المضادة. لى صديق يعتقد جادا غير هازل أن رجال أعمال تابعين للحزب الوطنى يمتلكون ثلاثة أرباع تاكسيات المدن الكبرى وبيجوهات الأرياف، وأنهم يقومون بدفع رواتب آلاف الركاب الذين يركبون الأتوبيسات والميكروباصات بانتظام، ويتكبدون مبالغ طائلة فى سبيل نشر دعاية مضادة للثورة، بينما الحقيقة أن ما يقوله أغلب راكبى المواصلات ورواد المقاهى وساكنى الكنب من كلام مضاد للثورة وكاره لها ليس سوى حاصل جمع فشل سياسات محمد مرسى وحكومة الخشب المسندة التى تدفع الثورة أخطاءها، زائد طيش وعصبية بعض الوجوه الثورية التى لا تعى أن دفاعك عن قضية نبيلة لا يكفى لكى تكسبها، بل لا بد أن تكون هادئا وذكيا ومطمئنا للناس، وإذا أضفت إلى كل هذا خليطا إعلاميا يقوم بعضه بمداعبة غريزة الخوف لدى الناس على طريقة أفلام الرعب، ولا ينشر كله الأمل والتفاؤل والمعرفة بين الناس لعلهم يفرقون بين ما تتحمل مسئوليته الثورة وما يتحمل مسئوليته الذين ركبوا عليها، عندما يتوفر كل ذلك، فأنت لا تحتاج بعده إلى أن تدفع مليماً من أجل أن يقوم سائقو التاكسى وركاب الميكروباصات بتشويه الثورة.

بصراحة لو كان خلق رأى عام لا يناهض الثورة يتوقف على سائقى التاكسى وحدهم دون غيرهم، لكان الحل أن يلجأ ائتلاف شباب الثورة إلى رجل الأعمال ممدوح حمزة لكى يشترى خط تاكسيات يسميه (تاكسى الثورة) ويتم تشغيله فى شوارع المدن الكبرى بأسعار رمزية ويقوده قادة الائتلاف ويركب إلى جوارهم أعضاء الائتلاف لكى يحببوا الناس فى الثورة ويضخوا الدماء فى شرايين الثورة المرهقة. إذا ظننت أن هذا الاقتراح هزار لا يليق فى موضع الجد، دعنى أقل لك إنه إذا كان يحكمنا على الدوام حاكم مصمم على أن يمارس مع نفسه ومع البلاد بأكملها لعبة الروليت الروسى بإصراره على العناد وعدم التغيير واستمتاعه بلعبة الاستقطاب وعدم الحسم التى تكفل له إنتشار حالة الفزع بحيث يبقى هو طوق النجاة الوحيد فى نظر الملايين، وإذا كان لدينا إعلام يعتمد على «إنديكس» الموبايلات التى يمتلكها مائة معد برامج هم الذين يشكلون خريطة الرأى العام فى مصر، وإذا كانت لدينا تيارات إسلامية تظن أن الشريعة الإسلامية يمكن أن يتم تطبيقها بالصمت على الظلم مع أن الشريعة فى جوهرها انحياز ضد الظلم والنطاعة وعبادة الأسلاف وإسناد الأمر إلى غير أهله، وإذا كانت لدينا نخبة مهترئة تظن أن الحريات العامة والخاصة يمكن أن يتم تحققها دون الحاجة إلى معارك فكرية وثقافية وتربوية طويلة الأجل، فبصراحة اقتراح تاكسى الثورة أجدع وأكثر فعالية وأسهل تنفيذا، على الأقل الركوب مع الثورة أرحم من ركوب الثورة ذات نفسها.

(فصل من كتاب سفاسف الأمور يصدر قريبا عن دار الشروق)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »