طارق عثمان

تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة(2)

شارك الخبر مع أصدقائك

قدوم العمدة من جنوب الدلتا إلى طنطا وانطلاقه منها إلى القاهرة والإسكندرية هى البداية الحقيقية للمصراوية، هى النقطة التى تأخذ منها القصة اندفاعها؛ لأن القصة فى قلبها حكاية البحث عن جوهر مصر وتغيرات وجدانها- بما فى ذلك القفزات والعثرات- فى المائة وخمسين عامًا الماضية.

طنطا محطة مهمة، واختيارها، كالعادة مع أسامة أنور عكاشة، مقصود. طنطا فى بدايات القرن العشرين المركز الجديد للتجارة النابعة من الصناعات الجديدة التى أدخلها محمد على وإسماعيل باشا فى مصر. المدينة بحكم موقعها المتوسط فى الدلتا، وربما بحكم كونها مركز زيارات (ومولد) قديمًا (لوجود جامع السيد البدوى هناك)، شهدت تطورًا عمرانيًّا كبيرًا، كما كانت من أوائل وأهم مراكز السكة الحديد التى أنشأتها بريطانيا فى مصر. وأخيرًا طنطا مدينة نجحت منذ قرون فى اجتذاب رءوس أموال مما حولها (ليس فقط فى الغربية ولكن أيضًا من الشرقية والبحيرة والمنوفية)، ولذلك كانت قادرة مع بدايات الصناعات والتجارات الجديدة أن تستوعب وتستثمر.

اقرأ أيضا  اقتصاد الجمهورية الجديدة!

لذلك فإن عمدة القرية يجد فى طنطا إطارًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا؛ ليس فقط أكبر كثيرًا وأكثر تنوعًا مما عُرف فى جنوب الدلتا، ولكنه أيضًا يجد فى طنطا تحضيرًا لما هو قادم- القاهرة والإسكندرية.

أسامة أنور عكاشة لا يقع فى فخ التهويل. نحن لا نرى العمدة مبهورًا أو مأخوذًا بالعالم الأكبر الذى يراه ويتعامل معه فى قلب الدلتا. على العكس، أسامة أنور عكاشة يعطينا العمدة مفكرًا ومخططًا لكيف يمكن أن يستفيد مما تتيحه طنطا من فرص.

والطريق، كما هو متوقع، هو الأرض. العمدة يريد أن يشترى أرضًا، يريد أن يبنى بيتًا، يريد أن يوجِد فى طنطا قاعدة ثراء يضع فيها بعضًا من المدخولات الناجمة من ثروته (أرضه) فى جنوب الدلتا، لكنه يريد أيضًا أن يوجِد قاعدة اجتماعية (بيت بالمعنى الأوسع للكلمة) يخطو من عليها إلى مجتمع وسط الدلتا.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (124)

التركيز على الأرض طبيعى ومتوقع؛ لأن الأرض وقتها أساس الثراء فى مصر، ومنطلق أى ترقٍّ اجتماعى.

أسامة أنور عكاشة يوضح تلك الأدوار التى لعبتها الأرض وقتها، لكنه يذهب أبعد، أسامة يجعل الأرض موضع صراع بين ثلاث قوى رأسمالية؛ واحدة من الصعيد قادمة إلى طنطا- كما العمدة- باحثة عن فرص بادية فى الأفق. ثانية أجنبية، تركية، قادمة من موقعها فى القاهرة لتوسع ممتلكاتها فى الدلتا. والقوة الثالثة بطل المصراوية، العمدة القادم من جنوب الدلتا.

الحبكة هنا ذكية؛ لأن الصراع على الأرض يعطى أسامة أنور عكاشة نسيجًا كبيرًا يتحرك فيه، لكن الصراع أيضًا تصوير لقوى يريد أسامة أنور عكاشة أن يسلط الضوء عليها؛ لأنها أساسية؛ ليس فقط فى المشهد الاقتصادى المصرى وقتها، ولكن الاجتماعى والسياسى أيضًا.

الرأسمالية التركية تمثل الأرستقراطية الأجنبية القادمة من الأثر العثمانى فى مصر، كما تمثل كل ما خرج من مشروع محمد على فى مرحلته الأولى- المرحلة التى كانت فيها الغالبية الساحقة من الأراضى المصرية فى أيادٍ غير مصرية. تلك أيضًا لفتة من أسامة أنور عكاشة لنا (المشاهدين) إلى أن مجتمع القرية التى بدأنا الرحلة منها ومجتمع طنطا التى وصلنا لها، بكل ما فيهما من مكونات مصرية، ما زالا فى تلك اللحظة بعيدين جدًّا عن مواضع القوة فى الدولة المصرية آنذاك.

اقرأ أيضا  تأملات فى نسيج أسامة أنور عكاشة(-4)

التفرقة بين رأسماليتين مصريتين- العمدة من الدلتا، وآخر من الصعيد- أول توضيحات أسامة إلى تنوعات مصر وقتها، إلى أن رحلة عمدتنا ليست إلا واحدة من رحلات مختلفة بدأت من نواحٍ متفرقة فى مصر فى تلك اللحظة التى بانت فيها فى الأفق فرص. وكان تلاقى الرحلات الأول فى قلب الدلتا التى كانت وقتها تشهد ثورات ستغير ملامحها الاجتماعية تمامًا، كما سنرى فى المقال القادم.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »