رجائى عطية

بين الگلمة والفعـــــــل ؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

من نحو ثماني سنوات كتبت مقالاً للجمهورية بعنوان ماذا أقول لكم ؟ جعلته بعد ذلك عنوانا للكتاب الذي ضمنته إياه.. لم يكن العنوان غريبا علي الموضوع، ولا كان غريباً علي ارتباطي بالكلمة منذ مارست الحياة.. فالكلمة كانت عدتنا في طلب العلم وتحصيله والامتحان فيه، والكلمة كانت ولا تزال عدتي في المحاماة، شفوية في المرافعات، أو مكتوبة في المذكرات.. والكلمة كانت ولا تزال أداتي ووسيلتي في آلاف المقالات التي كتبتها علي مدي العمر ونشرتها صحف ومجلات بغير عد، وهي هي عدتي فيما نشرته من كتب ومؤلفاےت، حتي لتستطيع أن تقول إن الكلمة حياتي، وإنني اعتدت توقيرها وإجلالها ووزن قيمتها وأثرها والعناية بها ورعايتها في اختيار لفظها أو الإلتفات إلي جرسها، فضلا عن معانيها وغاياتها والتزامها بما اعتقدت أنه الحق والصواب!
 
علي أن هذا الاعتياد علي إخراج وكتابة الكلمات، والحفاوة بالكلمة ومبناها ومعناها، لم يصرفني قط عن وجوب ارتباطها بالعمل والفعل والسلوك.. عن وجوب تعانق الكلمة بالفعل، كتبت للأخبار في السبعينات مقالاً بعنوان: »الكلمة والفعل في الوجدان العربي«.. وأعدت الكتابة في الموضوع أكثر من مرة ساعياً في كل مرة إلي المزيد من تعميق المعني الذي أردت لفت الأنظار إليه، وهو وجوب ارتباط الكلمة بالفعل، وإلاّ صارت محض طنطنات لفظية تؤول إلي فراغ أو سراب، يصدق عليها قول القـرآن المجيد: »لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ«.
 
ولكني كنت ولا أزال مؤرقا، ماذا صنعت أنا في حياتي لأربط هذا الربط الواجب بين الكلمة والفعل والسلوك؟!. أجل حاولت مستطاعي أن ألتزم في سلوكي بكل ما دعوت إليه من قيم ومباديء وأفكار.. بيد أن هذا ليس ما أعنيه في الأرق الذي يعتريني من تواري الفعل والعمل في حياتي إزاء طغيان الكلمة التي تأخذ جل وقتي واهتمامي ..الفعل الذي أقصده هو النشاط المادي الذي يحرك الأشياء ويتصل بالنتائج اتصال السبب بالمسبب ..هذه السببية التي ينعم بها الخزاف والنجار والحداد والأستورجي والزجاج والصائغ والمهندس والبناء والرسام والنحات والسقا والزارع والصانع والفلاح والعامل، والنشاط الذي يحس بثمرته أصحاب الأداء العملي التنفيذي الذي يوالونه تنفيذا ومتابعة  وتخليقا وضبطا.. إلي آخر صور العمل التي لا تقع تحت حصر، وتؤدي بأنشطة مادية صرف يحتل فيها »العمل« و»الفعل« كل صفحة النشاط والصورة، دون انشغال بالكلمات!
 
مهما تعمق المشافه أو الكاتب أو المؤلف، ومهما استقامت نواياه وأهدافه وغاياته وحججه، ومهما أخلص في توخي صدق ما يكتبه، ومهما نجح في توصيل فكره واضحا مصفّي إلي المتلقين، إلاّ أنه محروم من أن يمارس العمل ونشاطه بالمعني الذي أومأت إليه.
 
أجل لم تخل حياتي من ممارسة العمل والفعل، وظلت صفحات ما أديته وأنجزته حاضرة في وجداني، يملؤني تذكرها بالرضا، ولكن بقيت الكلمة ولا تزال هي الأداة الرئيسية لتواصلي مع الحياة.. حتي الأفعال، بدت وكأن دافعها ومحركها وصانعها وموجهها هو الكلمات!
 
كثيرا ما يخالجني السؤال، ما قيمة ما نكتب وقيمة ما نقول.. ربما كان السؤال أقل إلحاحاً وأرضي إجابة في مرافعات ومذكرات القضايا عندما تثمر الكلمة عن حكم بالبراءة أو نول حق أو رفع ظلم.. ولكن السؤال يبدو للكاتب بلا جواب محسوس، لأنه يطلق ويبث ما يقوله أو يكتبه إلي دوائر مجهولة له من المتلقين.. نعم هو يعرف أن الكلمة المكتوبة في الإذاعات المرئية أو المسموعة يتلقاها آلاف وربما ملايين، وأن الكلمة المنشورة في صحيفة أو مجلة أو كتاب، قد يقرأها مئات أو آلاف أو عشرات الألوف، ولكن القائل أو الكاتب بمعزل تام عن دائرة المتلقين.. لا يعرف ولا يمكنه أن يعرف من قرأها أو تابعها ومن لم يفعل، ولا يعرف ولا يمكنه أن يعرف أثر الكلمة علي من قرأها.. وهل أقنعت أم لم تقنع.. أجدت أم لم تجد.. حركت السواكن أم لم تحرك.. أنارت أم لم تنر.. غيرت وبدلت أم أنها ذهبت أدراج الرياح دون أن يعبأ بها أو يلتفت إليها أحد !!
 
صعب جداً أن تستمر في القول والكتابة وأنت مفصوم عن دنيا المتلقين، وصعب جدا أن تشعر بأن حياتك كلام في كلام في كلام.. لا تملك إلاّ أن تقول، ولكنك لا تعمل ولا تفعل ولا تملك أن يكون لك دور في دوائر الفعل والعمل.. قد يقول الكاتب لنفسه، وكثيرا ما أصبّر نفسي بذلك، بأن الكتابة وتعاطي الفكر والتعبير عنه نوع من العمل والفعل.. وقد يكون هذا صحيحا، ولكن صاحب الكلمة مفصوم معزول عن النتيجة لا يراها ولا يحسها.. هذه النتيجة التي يقبض عليها ويتمتع بها زارع الأرض ومهندس وعامل البناء، وصانع الخزف والفخار، والنجار والحداد والزجاج إلي آخر القائمة الطويلة التي حدثتك عن بعض حبات عقدها الفريد، الذين يلمسون علاقة السببية بين ما يعملون وبين ثمرة وناتج هذه الأعمال !
 
ماذا أقول لكم؟!.. إن الإحساس باللاجدوي كثيراً ما يغمرني ويجتاحني ويدفعني دفعاً للتوقف عن الكتابة.. فبماذا تنفع وبماذا تجدي ؟! أليس أجدي للناس أن أقلع عن الكلام لأبحث عن شيء آخر أعمله وأباشر به نشاطاً ماديا أري وأعاين ثمرته؟!.. لا أخفي أنني أردت ذلك وسعيت إليه، أردت – مثلا – إصلاح حال المحاماة ونقابة المحامين، شاعراً في إخلاص وصدق أنني أملك رؤيتي وأدواتي لإنجاز أعمال تعود بها المحاماة إلي مجدها، ولكن الدهر يأبي إلاّ أن يعيدني إلي دنيا الكلام لا الفعل.. أتداوي أحيانا بقول الشاعر: لا تلم كفي إذا السيف نبا: صح مني العزم والدهر أبي!
 
ولكن لماذا يأبي الدهر، وماهي الآليات الخفية التي تحول بين أصحاب الرؤي والقدرات الإصلاحية لوضع ما لديهم موضع التنفيذ، وماذا في وسع الكتكوت الفصيح أن يفعل إذا تعب وكَلَّ وأصابه الملل من كثرة الكلام وقلة الجدوي؟! . ظني أن الكاتب مهما قال وأحسن القول والكتابة قدر مستطاعه، وفكر وكتب وحاول، فإن الغايات تبدو رغم ذلك بعيدة بعيدة، فبماذا تجدي الكلمات؟!
 
لا يقصد الكاتب ولا يمكن أن يحلم بأن تحل كلماته محل الأفعال أوالأعمال.. وغير مطلوب ولا هو مقبول أن يعيش الناس علقي في أحضان الكلمات.. واهم من يتصور أن كلماته يمكن أن تغني عن الأعمال أو تحل محل الأفعال..تلال الكلمات لا تبني مصنعا ولا تنجز عملا، ولا تحقق بذاتها شيئا.. قصاراها أن توجه أو تحرك، فإذا انفصمت ما عادت توجه أو تحرك أو تحدث أثراً.. تستطيع أن تمسك بشي من هذه المعاني وأنت تراجع الكلمات الجميلة الموحية لشاعرنا المبدع صلاح عبد الصبور في رائعته المسرحية الشعرية: مأساة الحلاج.. تري المجموعة التي آتت لمشهد الحلاج.. تجيب من يسألها: »نحن القتلة.. أحببناه فقتلناه.. قتلناه بالكلمات.. أحببنا كلماته أكثر مما أحببناه، فتركناه يموت لكـي تبقي الكلمات«.. »كنا نلقاه بظهر السوق عطاشي فيروينا من ماء الكلمات.. جوعي فيطاعمنا من اثمار الحكمة«.. وإذا سئلوا: ألم يحزنهم فقده؟ أجابوا: »أبكانا أنا فارقناه.. وفرحنا حين ذكرنا أنا علقناه في كلماته.. ورفعناه فوق الشجرة«!
 
من الفصام المرضي أن تحل الكلمات محل الأفعال.. أن يتصور القائل أو يتوهم المتلقي أن الإنجاز يأتي بالكلمات.. حينذاك تتواري الأفعال وتموت الكلمات أو تمرض بأمراض مستعصية.. فتشيع المصانعة بالكلمات، وتحقق الأحلام بالكلمات، وتنجز الآمال والأماني بالكلمات، وتحل القضايا والمعضلات بالكلمات، وتقام العمائر والمصانع بالكلمات.. ويتقدم أرباب الكلام، ويتراجع ويخلي لهم صُنَّاع الأعمال.. هذه أم البلايا والنكبات.. أن يتراجع الفعل والعمل وتتقدم الكلمات!!
 
إحساس جميل ولا شك أن تمتلك الكلمة، وأن تنعم باستقطار واعتصار معانيها، وأن تخلص لها فتعطيها من عقلك وفكرك وقلبك ونبضك.. ولكنك لن تستطيع قط أن تمسك بطرفها الآخر.. ليس بوسعك أن تحدد مرفأها ولا خطوط ومسار رحلتها.. هل هي حفرت وبقيت وعاشت وأثرت، أم مضت كحرث البحر ثم  طارت لتذروها الرياح؟!
 
فماذا أقول لكم ؟!
 
لقد أتعبتني وأعيتني الكلمات !!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »