رجائى عطية

بين العام والخاص رجائى عطية من أرشيف الذگريات (33)

شارك الخبر مع أصدقائك

كان المرحوم الأستاذ أحمد بهاء الدين، يقيم بشارع هارون على مقربة من سكنى بشارع عكاشة بالدقى، وأتاحت لى القضية التى قبلتها صداقة حميمة مع هذا الأستاذ الكبير المثقف المفكر المتأمل، الرفيع المستوى فى ثقافته وفكره وعمقه وثاقب نظره، وفى دماثته ورقة طباعه، وامتدت هذه الصداقة طوال نظر القضية، والتى كان يوالينى فيها بنظرات عميقة أضافت إلى رؤيتى، واستمرت أى هذه الصداقة ثرية جميلة معطاءة حتى حرمنى منها النازلة التى ألمت به وأمرضته وغيبته عن دنيا الناس، فحرمنا منه وهو حى، وانقطع المدد الذى اعتدت وغيرى أن نتلقاه منه.

فى عموده اليومى، بصحيفة الأهرام، أعطانى الأستاذ بهاء الحق فى أن أكتب إليه فيه من وقت لآخر بما قد يعن لى من أفكار، تفرضها الحوادث، وكان من فضله ينشر كلماتى كما هى بلا أى تدخل، ولازلت أذكر أنه فجع حين لَفَتُّ النظر فى أحد هذه الأعمدة، إلى ما درجت عليه بعض الصحف، جهلاً أم بسوء نية، إلى تضفير معلومات مغلوطة تروج لإسرائيل فى باب «الكلمات المتقاطعة».. وتزرع فى صفحة وجدان الأجيال القادمة التى قد تجهل التاريخ، ما يصور لها المعالم العربية فى فلسطين المحتلة، على أنها إسرائيلية.. وفى باب يقبل عليه كثيرون للتسلية أو إزجاء الفراغ، فتتسلل المعلومات المغلوطة إلى طارقيه على أنها حقائق، من ذلك كما طالعت كثيراً، أن يقال : «بحيرة إسرائيلية»، فتفاجأ عند الاهتداء إلى الحل، أن المقصود “بحيرة طبرية” العربية والتى لا تزال شواطئ لها، ورغم إحتلال فلسطين، تطل على أقطار عربية، أو أن يقال : «مدينة إسرائيلية»، فيطالعك الحل بأنها «عكا» أو «حيفا» أو «القدس».. لا يشفع فى هذه الجناية أن تكون هذه المدن تحت نير الإحتلال الإسرائيلى، فهى ليست مدناً إسرائيلية، ولا يجوز أن نلغى من تاريخنا ووجدانات شبابنا أن هذه المدن مدن عربية.. كتبت موجوعاً إلى الأستاذ بهاء هذه الملاحظات، مشفوعة بمخاطر نشر هذه المعلومات الملبوسة فى أبواب صحفية مطروقة، وتأثيرها السلبى على شبابنا الذى ربما جهل حقائق التاريخ، فنشرها الأستاذ بهاء موجوعاً وجعاً لم يخفه!! فى عموده اليومى بالأهرام، ويبدو أن مآسى المفارقات الجارية فى مصر والعالم العربى، قد حاصرت روحه ونفسه الحساسة، ووطنيته العميقة، فداهمته الأزمة الصحية التى قطعتنا عن الإلمام بما لدى هذا العظيم من ثقافة وفكر ونظر ثاقب عميق، لا يدانيه فيه أحد.

أعود إلى القضية، فقد رفعتها بدعوى مباشرة إلى محكمة جنح قصر النيل، وأوكل المرحوم الأستاذ أحمد زين مهمة الدفاع عنه إلى الزميل العزيز المرحوم الأستاذ عبد العزيز جبر المحامى.. وكان من تلاميذ ومريدى أستاذنا الجليل على منصور المحامى الكبير، ويعمل معه فى مكتبه بشارع عبدالخالق ثروت، ومضت الدعوى سجالاً، وقوامها فكرى معرفى ثقافى دينى، فى مجرى لم نُقدر أن الإلمام بهذه البحور المتعمقة، ليس من العلم العام، ويحتاج إلى خبرة ومعرفة خاصة، وهى ليست متاحة فى كل الأحوال، الأمر الذى أخذ القضية إلى مستوى لم يرتفع للأسف إلى المراد من طرحها، ولم يحلق فيما كنا نتمنى التحليق فيه لإفادة الفكر وأدب الحوار وأدب الاختلاف، ووجوب النأى عن الطعن الشخصى، وعن التكفير الذى كان قد بدأ البعض يستيسر الرجم به على خلاف الحق والدين.

انزعجت من الهبوط بالقضية إلى مستوى لا يليق بسمو مغزاها ومبناها ومعناها، مثلما انزعج أيضاً الأستاذ بهاء.. ولكن ما يحمد للخصومة القضائية، أن الأداء فيها لم يتردى إلى هاوية الإسفاف أو الإساءة، والتزمنا بطرح الحجج القانونية، وإن انفردت بالحجج الشرعية والفكرية، إلاَّ أن هذه البضاعة بارت، ولم ترتفع إليها المنصة، وبدا أن الأمور سوف تؤخذ إلى غير ما تمنيناه وأملناه !!

كان طيباً أن يتدخل الأستاذ الكبير المرحوم موسى صبرى، وكان صحفياً حتى النخاع، ولم تصرفه رئاسة مجلس إدارة دار أخبار اليوم، ورئاسة تحرير جريدة الأخبار التى يعمل فيها الأستاذ أحمد زين، لم تصرفه هذه أو تلك عن إعطاء الأستاذ أحمد بهاء الدين حقه الواجب من الاحترام والتقدير والإجلال. ولم يخف ذلك عن الأستاذ زين، وطفق الأستاذ موسى صبرى يبذل مساعيه الحميدة بين الطرفين، ولم أك بعيداً عنها، حتى سادت النظرة أن هذه الاختلافات الفكرية، والصحفية، ليس مجالها ساحات المحاكم، وأن أربابها هم أهل الفكر والرأى، الأجدر بحلها فيما بينهم، وقد كان، ووصلت سفينة هذه الدعوى إلى بر السلامة صلحاً.

لقد رويت لك سالفاً، أن المرحوم الأستاذ أحمد زين، لم يتقبل مقالى ولا وكالتى فى القضية، وجعلها خصومة تجلت فيما رويته لك سلفاً من حذف اسمى من مرافعة طويلة أبديتها فى قضية كبرى، استغرقت أكثر من ثلاث صفحات كاملات بعدد جريدة الأخبار بتاريخ 10 فبراير 1983.. لولا أن تدخل الأستاذ موسى صبرى برد الأمور إلى نصابها فى الطبعتين التاليتين.. وقد كنت أحب أن يزول سوء التفاهم الذى شجر بينى وبين الأستاذ زين، فلم أكن أحمل له أى ضغينة شخصية، لولا أن فارق الحياة إلى رحاب ربه قبل أن تتاح فرصة التصالح معه.

لازلت أذكر رغم مَرّ السنين، كيف سعدت وأثريت، بصداقتى للأستاذ الكبير أحمد بهاء الدين، وهو خريج المعهد الذى تخرجت فيه، ويسبقنى فى التخرج بثلاث عشرة سنة، فهو دفعة حقوق القاهرة عام 1946، بينما تخرجت فيها سنة 1959.. وقد جمعتنى وإياه أفكار مشتركة، وسبقنى كما سبق غيرى بواسع ثقافته وبعمق نظره وتأملاته ودقة أحكامه وحسن تصرفه فى الأزمات. روى لى، رحمه الله، أنه إبان أزمة الثغرة فى حرب 1973، أتاه فجأة بمنزله، ليلاً بشارع هارون بالدقى، قامة كبيرة لست أملك حق الإفصاح عن اسمه، وقد اهتز اهتزازاً مقلقاً من نبأ الثغرة وما يدور حول علاجها، فهدأ الأستاذ الكبير من روعه، واصطحبه إلى قصر الطاهرة حيث مقر العظيم حافظ إسماعيل الذى كان آنذاك مستشاراً للرئيس السادات للأمن القومى، وشريكاً فى قيادة فى حرب 1973، وفى السياسة المصرية، ليعهد بالرجل فى حصافة وحكمة، إلى حافظ إسماعيل، مطمئناً إلى أن هذا العظيم سوف يعالج الأمر بحكمته، ويرد الأمان والسلام إلى من هزته ضغوط الحرب وأزمة الثغرة وقد كان.

كان هؤلاء العظماء بمثابة قاطرة تنير لنا الطريق، وسط الأنواء والصعاب، نحو الحق والصواب والسداد.

Email: rattia @ ragaiattia.Com

www. ragaiattia.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »