بين التقليد والابتگار والإبداع

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـائي عطية

لا تختلف صغار الآدميين عن صغار الثدييات بعامة، في أن كل ما تأتيه تقليد ومحاكاة مستمدة من المحيط.. وأن كل ما تدخله علي المحاكاة من تعديل أو تطوير الصورة بما يتفق مع ميولها النفسية وقدراتها العقلية والبدنية، يأتيها بدوره من خلال التقليد.. شأنها في ذلك شأن صغار الثدييات.. تعيش حياتها الأولي بتقليد الكبار تقليداً لا إراديا في الأعم الأغلب.. خاصة في مجال الأنشطة الحيوية كالأكل والحركة والهرب.. ومع نمو الإحساس بالذات المصاحب لنمو القدرات، يبدأ الآدمي في تقليد الأباعد وفي الزهو بمخالفة الأقربين.. ويبدو هذا واضحا أكثر جلاء في طور المراهقة حيث يبدأ الاتصال بمحيط أكبر وأوسع من البيت والوالدين والأخوة، ومع التقدم في السن ينفرج أمامه الباب لينفتح تدريجيا علي مصراعيه للتقليد الإرادي المبني علي الاختيار الشخصي أو علي الاختيار الجماعي.. هذا ويصحب عملية التقليد تعديلات جزئية تختلف من شخص لآخر.. تمليها ميول الشخص وخصوصية قدراته العقلية والبدنية.

ومع تجارب الشباب وما يليه من مراحل العمر ـ تعتبر التجارب الشخصية مجالاً أساسياً من مجالات التقليد الإرادي وغير الإرادي. ولا يوجد آدمي ولم يوجد قط استطاع أن يتتبع كل أو معظم خيوط التقليد الكثيفة المتراكبة المعقدة التي منها يتألف تفكيره وخياله وعاداته وأخلاقه وأذواقه.. فماهي إذن فردية الآدمي ومبني شخصيته؟

فيما يبدو لي ـ أن هذه الفردية هي »فردية« و»شخصية« عملية التقليد ذاتها.. فكل تقليد يحمل طابعا شخصيا للمقلِّد لا يشترك فيه غيره.. بهذا المزيج الذي يجمع بين »التقليد« والطابع الشخصي يتشكل أو يكون لكل فرد وجود خاص وروح خاصة لها كما يقولون لونها وطعمها.. تنعكس علي سلوكه وأخلاقه وعاداته علي نحو ينفرد به طول حياته، وتبقي ذكراه في ذاكرة من يعرفونه.. أو يعرفون من يعرفونه متميزة عن غيره ممن عرفوهم.. ويظل هذا التميز معروفاً لزمن قد يطول قروناً حسب حاله وحالهم.

فمكونات الآدمي غير المادية أو غير الجسدية تشبه من هذه الناحية مكوناته الجسدية.. فهذه تماثل مكونات أجسام أفراد النوع الإنساني، لكنها لا توقع لبساً بين الأفراد، ولا تحول دون فردية وشخصية وتميز كل منهم.. لأنه برغم وحدة العناصر المكونة وتماثلها، يحمل كل فرد طابعا شخصيا ينعكس علي مرآه ومسمعه وسحنته وحركاته وسكناته برغم وحدة العناصر المكونة وتماثلها في الجسد في جميع أفراد النوع الانساني.

فالطابع الشخصي الذي يتميز به كل آدمي عن غيره في عملية التقليد والمحاكاة، وهي عملية جوهرية مشتركة عامة لا تنقطع أبداً عن الآدمي مادام حياً.. هذا الطابع الشخصي المميز هو الذي يبني فردية الفرد وشخصيته. وهو الذي يظهر هذه الفردية رغم وحدة المكونات غير المادية الأساسية وتماثلها لدي جميع الأفراد.

وطبيعي أن تكون الأفكار العامة والمصدقات العامة والأساليب العامة للتفكير واحدة في المحيط أو في العصر، ولكن ليس طبيعيا أن تكون صورها واحدة لدي كل فرد، أو أن يكون تعلق كل فرد بكل منها تعلقا بذات القدر أو الوزن أو الشكل.. لأن لكل فرد طابعه الشخصي الخاص به المتفق مع ميوله النفسية وقدراته العقلية والبدنية ومع استعداداته المولود بها، وهذا الطابع الشخصي المنفرد هو الذي يحدد خصوصية الأفكار والمصدقات والانطباعات والأساليب التي تختلف فيها فردية الشخص عن سواه.

وذلك الطابع الفردي ليس خصماً ولا خصيماً ولا نقيضاً لعملية التقليد الدائبة الحصول بلا انقطاع بين جميع أفراد النوع.. وإنما هذا الطابع مكمل ولازم من لوازمها الحيوية ليضمن أن تظل المحاكاة عملية تربية من أجل تطور ولمزيد من الحركة، ويضمن بالتالي ألا تصير عملية التقليد تكتيفاً وتقييدا وركوداً وتجميداً ينتهي بالضمور أو بالانقراض!!

كل القمم البشرية من أول الدهر ـ قلدت وماتت وهي تقلد.. لأنها عاشت حياة البشر التي لم تستغن ولن تستغني قط عن التقليد.. إذ ليس عنه غني لوجود الجماعات صغيرها وكبيرها ولعمار أرض الله.. بل ولا بديل عنه لإقامة الحضارات ولكل صور التطور وتقدم العلوم والفنون وانتشار الإنسانية وإعلاء رايتها في العالم. كل عظيم من القمم البشرية قديمها وحديثها مقلد وكان مقلداً وسيظل ما يجود بهم الزمان مقلدين طالما هم آدميون.. لا يخرج أحد في الماضي أو الحاضر أو المستقبل عن دائرة التقليد لأنه آدمي إعتنق ويعتنق وسيعتنق أفكارا وآراء وتصورات ومعارف.. موجودة قبله أو وجدت مع وجوده.. في محيطه أو في عصره.. ورحّبت بها استعداداته الفطرية واتفقت مع قدراته العقلية والبدنية، وأسس عليها أخلاقه ومشاربه وأذواقه، وتدخلت من ثم في اتجاهاته واهتماماته وأعماله.. وقد اختارت عناية الله عزّ وجل ـ بعض هذه القمم الإنسانية للهداية والقيادة عندما حان الوقت المناسب وتوافر الظرف الملائم واستعداد الناس للقبول، وكان هذا البعض أعرف الناس بالناس وأصبرهم عليهم وأقواهم عقلا وبدناً علي إبلاغ رسالة الله عزّ وجل وإنجاحها فنجحت بفضله سبحانه وكرمه.

هذا التقليد الذي نتحدث عنه ـ انتفاع إرادي أو غير إرادي، وتعلّم واستعمال لحواسنا ووعينا لما نشاهده أو نقابله أو نقرأه أو نسمعه أو نتصل به بشكل أو آخر.. وهو شيء طبيعي ومشروع مشروعية كاملة وواجب في حياة كل آدمي.. وهو خلاف الادعاء الكاذب الذي ينسب فيه الآدمي إلي نفسه علي سبيل الانتحال والمباهاة ـ رأياً أو فكراً أو فعلاً أو تركاً ـ يعلم أنه ليس صاحبه ولا فضل له فيه!

وتعليمنا كله في كل العصور لم يستغن عن هذه المحاكاة المشروعة.. وهي مبني كل تراث الإنسانية الذي يقوم علي تراكماته ـ التعلم والتعليم والنقل والحفظ والتدوين والتأليف.. ليقرأ الكل ويكرر ويعيد أي آدمي نفس الشيء ويتبني الكل نفس ما تبناه معه الألوف والملايين من أمثاله. ذلك أن حياة الأفكار والمعنويات في انتشارها وذيوعها، وموتها في انحصارها واحتكارها!.. وعلي هذا الأصل وجد العلم والفن والفلسفة والدين والأخلاق وكل ما لدي الإنسان مما هو قيم باقٍ.. وعلي هذا الأصل نفسه تعيش وتثري هذه القيم ويتطوّر معها النوع البشري إلي ما شاء الله له من التطوّر.

وليس معني هذا أن أبواب الابتكار والإبداع مغلقة.. فالتقليد والمحاكاة لا يوقفان مهارة الماهر ولا ابتكاراته فيما يري ابتكاره فيما يمارسه من الأعمال والفنون والآداب.. ولا يحجران علي إبداع المبدع الذي يجاوز المهارة والإتقان، ويجاوز الابتكار، إلي دائرة الإبداع الذي إليه ثمرة ما قدمته قمم فذة في العلوم والآداب والفنون.

والإبداع البشري هو الإتيان فيما تعلم الإنسان مباشرته والتفكير فيه ـ بشيء لم يسبقه إليه سابق أو بشيء علي درجة عالية من التفوق لا يبلغها الناس حتي الماهرون منهم جداً. ويستحيل محاكاتها علي من يحاول. وهذا الإبداع يقتضي وجود ما يجوز اكتسابه بالتعلم أي بالتقليد والمحاكاة الإرادية وغير الإرادية.. فهو خلق من خلال مراحل التعلم والمحاكاة وليس خلقاً من لا شيء أو من العدم.. ولا نسميه خلقا إلاّ من باب التجاوز أو التشبيه أو الكناية، لأن الخلق من العدم لا يصدر عن المخلوقات، وإنما يصدر من الخالق وحده تبارك وتعالي.

وهذه الخواطر التي شئت أن أطرحها عليك، ليست ابتكاراً ولا إبداعا، وهي لا تعدو أن تكون استقراءً وتواصلاً مع محاولات مشابهة سبقت من آخرين.. ليس فيها أي إبداع، وإنما هي محض رغبة في التنبيه إلي أمور تبدو جوهرية.. يساء إليها بدعاوي الأصالة والإبداع والكشف.. هذه الدعاوي المغرقة في الخيال والمبالغة والإفراط في التشهِّي والمؤدية إلي مزيد من اللبس والبلبلة والعتامة في عالم اليوم الذي يعاني ما يعانيه ويكفيه ما يلاقيه من شجون!!

شارك الخبر مع أصدقائك