بين التعليم والقهر

شارك الخبر مع أصدقائك

نجوى صالح:

وقعت على مقال فى أحد الأعداد القديمة لمجلة الهلال سنة 1996، قدمه الخبير التعليمى رحمه الله الدكتور حامد عمار، عن مقال لأحد خبراء التعليم فى البرازيل «باولو فريرى» ودوره فى محو أمية شعبه بعد أن وهب نفسه ليخدم ويناضل فى مجال التعليم، حتى أصبح من القلائل «رغم فقره» من فلاسفة التربية.

ويعتبر أهم مفكر تربوى فى القرن العشرين كما وصفه المقال، أما اللحن المميز لمجمل فلسفته فيتلخص من خلال تلك العلاقة الديناميكية بين المعرفة، والتعليم والسلطة.

يقرر فريرى أنه ليس هناك تعليم محايد، وإنما هناك تعليم من أجل القهر أو تعليم من أجل التحرير من القهر.

إن أوضاع التعليم السائدة فى العالم الثالث إنما تدعم جانب القهر وتكوين ثقافة الصمت والإذعان لسلطة القاهر وإعادة إنتاج النمط الإنسانى المطلوب، المطلوب ممن..؟ المطلوب من سياسة عالمية تضعها أمريكا بواسطة أياديها المخاباراتية فى تلك البلاد النامية ودعم البنك الدولى لهؤلاء الأعوان بالمكافآت والديون المتراكمة على المؤسسات التعليمية. يقول فريرى: «ولعلنا نتذكر مقولة الكاتب السودانى الطيب صالح فى روايته موسم الهجرة إلى الشمال، حين يشير إلى أن أصحاب السلطة إنما يرسلوننا إلى المدارس لكى نقول لهم  «نعم» ويرسلون أولادهم للخارج لكى يقولون لنا «لا»، إنهم لمتخلفون».

ويرى فريرى أن كل ما يتعرض له التلميذ فى المدرسة من خبرات له أبعاد ونتائج سياسية تتدعم طوال مراحل التعليم، مستهدفة ترسيخ ثقافة السلطة والتكيف مع المسلمات لفرض مفهوم التلقين والحفظ وعدم تفعيل العقل، «الشاطر واللى نحبه كلنا.. يحفظ ويسمع» مثل القطار فى اتجاه قضبان السلطة.

وهو ما يعكس فى التعليم التقليدى العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فى البنية  خارج نطاق التعليم، وانعكاس منظومة التلقين وفرض ثقافتها سواء من خلال المدرسة أو أجهزة الإعلام، أو غيرها من وسائل التوجيه مثل الدعاوى الدينية، وهنا تختبئ السلطة خلف الفاشية الدينية والتعليم السلطوى  على حد سواء، وكلاهما فى المطلق بلا حوار فكرى من التلميذ المتلقى للعلم.

العلاقة بين المدرس والتلميذ، تقتصر على التلقين والقمع والمعرفة الأحادية المقدمة من المدرسين،  وهو القول الفوقى الذى لا يقبل الجدال الفكرى فى شكل تساؤلات من التلميذ والتعبير الحر، فى إجهاض مستمر لعمليات التفكير المبدع والخيال الحى، مصاحبة لمنظومة العين الحمرا من المدرس، إذا حاول متلقى العلم الدفع ببعض التساؤلات فى نوع من العصف الذهنى المنتظر من تلاميذ فى سن التكوين فيكون الزجر «للواد اللمض». الدرس الأول فى التقاعس والمشى جنب الحيط والجبن والطاعة، أما إذا أصر على أخذ حقه فى المعرفة  فيصبح الجواب هو الضرب على القفا، مترجمة إلى «موقف السلطة».

يقول فريرى: «الهيمنة العملية فى الدولة على الفوارق الاجتماعية تتضح فى أبنية المدارس للفقراء» الأكثرية، وعلاقة المدرس بالتلميذ فى ظل الوضع الاجتماعى الفارق تكمن فى القيمة التربوية المتدنية التى تختلف جذريا عن القادر.. فى نوعية الفصول والكتب المدرسية المقررة ثم إهمال كامل للفنون والرقص والموسيقى والرياضة، وهو ما يرسخ الدونية.   

المعلم يبدو دائما فى تلك المنظومة هو السلطة المطلقة وهو المتكلم مقابل صمت المذعن.

هذا هو النمط الإنسانى لرجل المستقبل، فى طياته القهر من تعليم اللا جدوى، وهنا أضع مثالا فحواه أن المدرس الذى يعطى لى دروس الكمبيوتر وهو خريج تجارة لا يعرف كتابة اللغة العربية إملائيًا ولكنى ألقنه حرفا بعد حرف.. فما بالك بمناقشة أو جدال؟ إلى هذه الدرجة وصل التعليم ؟!. أعود إلى فريرى والنتيجة ممارسة القهر على الأضعف من زوجة وأبناء مقهورين، وموظف منقاد منحنى، منصاع لا يقوى على رفع النظر إلى رئيسه المقهور أيضا وحتى من صاحب البيت الذى يخاله المالك لمصيره، لخوفه من قهر غامض كامن داخله لخيال مكبوت غير مبدع مقيد من الانطلاق حتى اللجوء إلى القانون. يدعو فريرى إلى تحرير الإنسان من خلال تعليم مغاير، هناك فرق كبير بين أسلوب السياسة الذى يمارس توجهاته من خلال قوة السلطة، بينما يجب أن تمارس توجهات التعليم من خلال قوة المعرفة وحقائقها. والفهم وهضم المعلومة ومناقشتها، وتأصيل تعليم التحرر.

تصوروا لو تحرر الفكر العربى.. حيعمل إيه فى أمريكا بلطجى الغرب الوحيد؟!.

شارك الخبر مع أصدقائك