بين‮ ‬غضون الماضي‮.. ‬ورؤية المستقبل‮! (‬3‮ – ‬1‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجـائي عطية:

يستطيع كل من تأمل في واقع الخلق والحياة، والابتكار والابداع، أن يلحظ أن كل ذلك لا يجري خلقاً لماضٍ ذهب وانعدم، وربما ترك آثاره، ولكنه يجري للحياة القابلة المستقبلة.. وجود الآدميين أنفسهم علي الأرض.. جاء دائما كفعل متقدما مباشرة إلي مستقبل شديد القرابة وليس إلي ماضٍ مسبوق قط.. إذ كل مستقبل إن بدأ يبدأ من طارئ حاضر يضعه آدميون ـ يتبعه مستقبل آخر بحاضر.. وهكذا.. بطيئا كان في نظر الآدمي أم سريعا.. فلم يبق استمرار ماض تام حقيقي أبدا في حاضر أو مستقبل..

إذ يحكمه الزمن الممتد المتولي إلي الأمام لا إلي الخلف دائما!

فكل آدمي ابن زمنه ووقته فقط حتي إذا تخيل أنه يعود في حاضره إلي ماضيه المعين في ذهنه.. فيستحيل أن يرجع الآدمي إلي آدمي قط لأنه يوجد لكي ينتهي ـ من جنينه إلي خروجه إلي طفولته ثم إلي صباه ثم إلي شبابه فرجولته فكهولته ثم شيخوخته منحدراً في الضمور إلي أن تنتهي حياته من دنياه نهائيا.. لا عودة ترجي إلي دنياه بعد انتهاء تواليها فيه هو، ولا تنتقل بطابعها هي إلي سواه.. لأن هذا الانتقال أصلا وفصلا محال، ولكن قد تتشابه مشابهات ـ قرباً أو بعداً ـ في أقارب قريبة أو بعيدة وأحيانا قد توجد في أغراب. ولذا تدعي أفراد الآدميين من أول الدهر كل منهم باسمه الذي اختير له من أبويه أو منه هو حين يختار هذا التغيير هو نفسه مرة واحدة أو مرات مع احتفاظه بأناه هو الخاصة به التي لا يشاركه فيها غيره إلي نهايته.. هذه »الآنا« أو الذات التي هي مركز أنانيته المنتشرة دائما في وجوده الخارجي ورأيناها تزداد زيادة كثيفة خلال القرون السبعة الأخيرة لزمن العالم في مسيرة تلك القرون ارتفاعا وهبوطا وأملا ويأسا وانتفاخا وانكماشاً.. وهذا التذبذب قد بالغ في الترنح الكئيب وبتنا اليوم في أشد الحالات والحاجات لاتصالنا الدائم التمدد والتقرب والاستفادة الجادة النشطة المستمرة بالمجال الشمسي كله وبكواكبه وملحقاته من توابع وغيرها مما لم يلتفت إليه بعضنا ـ جادين الآن ناهيك بمعظمنا غير الجادين من آلاف السنين.. برغم ما يقولون وقد يعرضون أو يعطون إلي من يظنون أنهم محتاجون!

وبعد وفاة الخلفاء الأربعة الراشدين خلفاء محمد خاتم النبيين ـ صلي الله عليه وسلم ـ تلاحم ملوك من المسلمين إلي يومنا هذا بألقاب متعددة.. منها تلك الخلافة المضافة.. أولهم الأمويون ثم العباسيون ومن تلاهم من أنواع الحكام حتي اليوم ـ في بقاع الإسلام التي امتدت في غرب وشرق وجنوب أوروبا.. فالمسلمون الآن قد يقاربون المليارين في بقاع الأرض من الناس يدينون بإسلام ملكي أكثر بكثير جدا من أي إسلام غيره.. تري بعينيك ذلك فيما حول ألوان المسلمين من العبادات والمساجد والأعياد والمقابر والأضرحة والخواتيم والذكريات والمستويات والصدقات والنذور.. ومع ذلك الطول وذلك العرض ـ يبدو أن ذلك لدي العاقل بعيد عن السداد الدائم وعن النجاح المطرد، وبعيد عن الاقتراب بالزيادة في التعمق والمعرفة الممكنة جيلا بعد جيل.. ومع عدم الالتفات وكثرة الإغراق في التشبث حتي الآن بالتصورات والمقولات والمصدقات وترديدها كما كانت من قديم الزمان لدي عقول الماضين بقدر ما صدقوا وعرفوا قبل أن يفارقوا دنياهم وبقدر ما استقر في عقول الموجودين اليوم والغد بتشبثهم وجمودهم في سوء الحال وقلة الاهتمام بالمآل والغضب الذي لا يكاد ينقطع من شدة الكره والضجر ومن الاندفاع هنا وهناك بقليل أو بكثافة!!

إذ لا يوجد في مجتمعات اليوم والغد دول وإمارات أو تكوينات كبيرة أو صغيرة متقدمة وغير متقدمة ـ لا يوجد في هذه أو تلك أمانة حقيقية غالبة متصلبة أو انضباط حقيقي صادق فعال واع. إنما يوجد ما لا حصر له ولا لأول ولا آخر ـ من أسباب ووسائل وألوان وحيل واضحة ومختفية متشابكة ومتداخلة بين الحكومات بتركيباتها الشديدة المرونة الكثيرة المغالاة والأخطاء والأخطار وبين الاتجار العريض بسلاطينه وأوساطه وصغاره.. بمكره الذي يسميه حذقه وبين الزراعة والصناعة والنقل ودور السياحة والملاحة والطيران.. وهي في مجموعها لاتقل حذقاً عن التجارة في مكرها وبين الجيش والبحرية والطيران.. وهذه هيئات أهم وأعم من هيئات الشرطة والسلطان تتوخيان أولا وأخيراً نصيبهما في القوة المحلية وسعة الرزق.. ولم يوجد في القرون الشمسية الأربعة الأخيرة في غالبيتها الغالبة إلا تزايد الغالبية في ماديتهم وخبثهم وأنانيتهم ـ جيلا بعد جيلا وطبقة بعد طبقة حتي اليوم والغد.. إذ انصرف جل البشر هنا وهناك صغاراً وكباراً تدرجا واتساعات وانتهاء إلي دنياهم كل علي مقدرته.. فتضاءلت الديانة بل إختفت جديتها تماما ولم يبق منها إلا حركات وأصوات وتجمعات وأحاديث وأقاويل وأوقات معينة زائفة تغشاها العامة وأحيانا الخاصة ـ في مساجد ومعابد وأنصاب وتوابيت ومزارات ومواعيد ـ واجتماعات ووفود يصحبها تلاوات أو مقولات أو بيانات عامة بتعاليم مكررة وقليلة الجدوي ـ وأعياد ومواسم وتقديسات وحجّات ـ قيمتها الكلية بنظرهم في عودة أولئك الزائرين إلي أوطانهم وإعلان زياراتهم وتيههم وتفوقهم بها دينيا علي من لم يسبقوهم في تلك الزيارات المالية المكلفة.. اللهم إلا إذا كان المفاخر قد اعتاد التجارة وفوائدها إلي جانب من اعتادوا هذه الزيارات وتوابعها المجزية!

 وفي زماننا هذا قد أحَسَّ الجميع غنياً وفقيرا ـ حاكما ومحكوما ـ بقلة الأمان عن الذين سبقونا في كل مكان.. وتراخي ما معنا وتزايد تراخيه باستمرار.. وقد أزعجنا كلنا الآن من اغتني منا ومن لم يغتن.. أزعجنا قلق غير مسبوق أصاب كلاً منا بهمومه المتزايدة.. وقد زاد الدين أي دين كبير سابق أو لاحق ـ زاد إبتعاداً عن اهتمامنا في جميع الأماكن بلا استثناء.. إذ تربعت الأنا مصحوبة بالأنانية لدي الأفراد والجماعات كلها، برغم بقاء الفروق وباتجاهاتها المتباينة.. أماكن وأزمنة وأجناساً وألوانا ولغات قديما وحديثا وتفككا وتماسكا!

فالآدميون جميعا علي هذه الأرض هم الآن خلاف السابقين الماضين.. حتي في بداية النصف الثاني من القرن الماضي قد امتلئوا بالآمال الواسعة مبتهجين مستبشرين عامتهم قبل خاصتهم.. ولكنهم فوجئوا بصواعق متتالية من الكساد الهائل المطرد والخيبة لديهم بيأسها المروع الذي طال واستطال والبطالة الغالبة المزمنة التي لم تنج منها بلد حتي الآن! وقد حلت الآلات الجديدة التي لا تنقطع ابتكاراتها وتطوراتها ـ محل أغلب البشر المتعطلة في الأمس واليوم والغد من سنين. وهو ما كان يقتضي من العقلاء غير الطامعين الجشعين ـ الإصرار علي محافظة التناسب والتقدم ـ بالعناية الدائمة علي التوافق المطرد بين الآلات وبين العاملين فيها أو معها.. بحيث لا تزيد تلك الآلات عن العمال ولا تزيد العمال عن تلك الآلات في كل زمان ومكان متعلق بعمله وصناعته وزراعته!

وربما يكون قد فات علي الآدميين اليوم في بقاع الأرض غرباً وشرقاً ـ علاج دائهم ـ من المبالغة في الازدحام والارتباك والاضطراب والتحطيم والعجز واليأس.. وهو ما أضعف كثيرا جدا اقتدار الأقوياء وشاط وهيج وأثار العوام الآن وغده في كل اتجاه.. فهل يمكن لعقلاء متوسطي العقل هنا وهناك أن يتشاركوا معاً في فهم ومساهمة واتحاد بين أرضنا والكون بالالتفات الواعي المتزايد باستمرار في الفهم والإدراك والاشتراك النامي بغير حدود ـ مع شمسنا وكواكبها وتوابعها وطاقاتها وموادها وأجوائها وحركاتها الدائمة بأبعادها التي لا أول لها ولا آخر قربا أو بعدا عن أرضنا؟

إذ يستحيل علي البشر الآن أو الغد في كثرتهم الكاثرة ـ مجاعةً أو انتقاماً أو عذراً أو تخلصا ـ أن يفني بعضهم بعضاً تفضيلاً لبقاءٍ آدمي ممكن مقبول ظناً واحتمالاً ـ كما حدث من قبل مرات كثيرة في مذابح آدميين سابقين قريبين وبعيدين تبعا لأوامر ملوك وأمراء وقادة وطاعة لأتباع وضباط وجنود.. فالقسوة الغاشمة السابقة حديثة وقديمة ـ لم تعد ممكنة فيما يتوقع الآن.. لم تعد ممكنة للانطلاق الكلي اليوم الذي بات أصلاً لعامة الناس في كل مجتمع كبير أو صغير. إلاَّ إن تناقضت الآراء في المجتمع لشدة الأحزاب أو المذاهب التي قد تتعارك علي الحكم للإستئثار به منفرداً أو مشتركا يجمع بين البعض المدة التي يمكن أن يحدث يها هذا الانفراد أو ذاك الاشتراك في الحكم المتنازع عليه!

شارك الخبر مع أصدقائك