رجائى عطية

بوصلة الانتماء.. إلى أين؟! (2-1)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:
 
سؤال يجب طرحه والإجابة عليه، مهما كان الألم أو كانت الوجيعة. ما الذى أصاب «الطاقة البشرية» المصرية حتى فقدت أو تراجعت كثيرٌ من خصائصها «المعطاءة» التى دفعت مسيرتها فى حقب طويلة، كانت معين الوطن ومدده حتى فى أوقات الانكسارات.

يلح بهذا السؤال الواجب، مظاهر من العماء تجاهلها، وحوادث ملحة، وأحوال اجتماعية واقتصادية وتعليمية وإنتاجية، ليس من الحكمة عدم الوقوف عندها والتأمل فيها، وتلح به «سحب» اشتباكات معقولة وغير معقولة، « وحالة » تراجع فى السلوك والعمل اللذين فقد كثيرًا من الجد الذى كان، وفى كثير من المشروعات التى أصابها تراجع تأتى معظم روافده من العنصر البشرى الذى صار حالة محيرة تورى بأسقام متراكمة ينبغى التأمل فيها والبحث عن جذورها وأسبابها وعلاجها.

لماذا اهتزت بوصلة القيم، وخبت القوة الدافقة لصناعة الحياة، ولماذا انتشر الانكفاء على «الذات» ومن بعدها الطوفان، ولماذا تفشى التواكل والاعتماد على لطف المقادير، ولماذا تراجعت قيم العمل والتفوق وصار التظاهر بالعمل بديلاً للعمل، مع فقدان روح الإتقان والإجادة.. ولماذا تحالفت عوامل غير مرئية ودفينة أخذت من اهتمامنا بالجمال والكمال وأحلت محلهما «بلادة» لا تميز بين الحسن والقبيح، واعتادت امتصاص القبح وإعادة إفرازه بكافة صوره المادية والمعنوية.. ولماذا انبهمت معايير التمييز والمفاضلة بين الجيد والردئ، وأخذت كل هذه السلبيات تصب فى انكفاء الخامة البشرية على ذاتها، لا يعنيها إلاًّ ما تستطيع امتصاصه ولو بالحيلة والمخاتلة والخداع، من مجتمع صار يعانى من خفوت الإحساس بالانتماء الحقيقى إليه؟!

ظنى أن الأسباب تنصب جميعها فى هذا «الانتماء».. وأن الانسلاخ من الشعور الفاعل الحى بالانتماء، يرتد إلى سوء الحياة السياسية على مدار سنوات، وإلى غيبة المشاركة الحقيقية التى يحس بها المواطن أنه جزء فاعل ومهم فى مسيرة وحياة وطنه، ويرتد إلى تراجع التربية والتعليم، وإلى نضوب معين الثقافة، وإلى أسقام أصابت الإعلام، ويرتد إلى تراجع قانون السببية الذى يربط الناتج بالعمل، وإلى حلول المحسوبية والحظوة الانتهازية والوصولية والفهلوة والمحبات والخواطر، وتفشى الفساد وعوادمه، وما أحاط الفقراء والأطفال واليتامى من تعاسة وتهميش، ومن انتهاك وعدوان!

هذه كلها تضرب فى الشعور بالانتماء، حيث ينفصل الفرد عن الشعور الصادق بأنه جزء حقيقى من المجموع.. مشارك فيه.. يعلو معه ويهبط معه.. عمله فيه مردود إليه إن أحسن، وعليه إن أساء، وأن ما يصيب المجموع لاحق فى النهاية به، وأنه مالك حقيقى لكل ذرة فى كيان الوطن ولكل نجاح يصيبه، وأنه خاسر بخسرانه وتراجعه!

هذه الظواهر الظاهرة، لم تصب الفلاح المصرى، صانع الجد والحرث والزرع والضرع، وأستاذنا الأول فى صناعة الحياة.. لسبب من المهم أن نتأمل فيه، هو أن شيئًا لم يقتطع من صلته المنتمية إلى الأرض التى يزرعها مالكًا لها أو عاملاً فيها.. فهذه الصلة المنتمية صلة مباشرة لا يحسرها شىء، وإنما هى تنمو وتتأصل حين يأتيه ناتج عمله منذ يتعامل مع الأرض تعاملاً مباشرًا بتطهيرها وحرثها وبذر البذور فيها، وحين يراقب ظهور النبت حتى يورق سامقًا ناضجًا بالثمار.. فالفلاح يتلقى ناتج عرقه وكده تلقيًا مباشرًا لا يقطعه أحد، ويشعره شعورًا متواصلاً بثمرة كده وعمله وبذله بهذه الأرض التى يلتصق بها التصاقًا تتمحور فيه كل معانى وقيم الانتماء، فتبقى العلاقة الجدلية بين الطرفين حية حاضرة معطاءة.

على غير هذا تسير الحياة السياسية حين تتوه بوصلتها، ويسير المحيط البيئى والمجتمعى حين يفقد قيمه وحبله المتين.. وحين تشيع المظهرية والاستعراض الفارغ من المضمون، وحين تضل معايير المفاضلة بين الصالح والطالح، والقادر والإمعة، ويتسابق الإمعات وأصحاب الأغراض على اقتناص مواقع الزهو والوجاهة فيما لا يكلفهم شيئا من العمل الجدى والاجتهاد المنتج. فيزيح هؤلاء أصحاب القيم وأصحاب الجهد والعطاء، ويتسابقون إلى مجلس إدارة نادٍ أو نقابة، أو موقع شعبى مسموع، أو برلمانى حصين.. ولا بأس من الترشح لرئاسة الجمهورية لمن قد لا يحسن إدارة «حارة».. لا يسعون فى ذلك إلى أداء عمل والنهوض بمسئولية، وإنما إلى ما يعطيهم القدر المطلوب من «الأهمية» وفيما لا يقتضى منهم جهدًا ولا عملا، فى محيط تفكك انتماء أفراده للمجموع، وصار كل فرد فيه ينازع ويزاحم ويدفع ليحشر لنفسه موضعًا بارزا لا يشغله فى الوصول إليه ما هى كفاءته ولا ما هى قدراته، ولا ماذا قدم أو سيقدم للمجموع الذى يتسابق على صدارته، دون أن يقتضيه ذلك تبعة ولا عهدة، وبأقل قدر من العمل والجهد والمشقة، وبأكثر ما يمكن من الوجاهة والدعة والسلامة والعافية.. بلا فاتورة دفعها، وبلا عطاء حقيقى قادر على القيام به!

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »