رجائى عطية

بودلير وأزهار الشر‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

من مآثر الشاعر عبد الرحمن صدقي، أنه مع كتابه القيم عن الشاعر الرجيم شارل بودلير، ترجم لنا أشعاره من ديوان أزهار الشر.. عن هذا العمل الضافي، كنت قد قدمت لصوت العرب، من نصف قرن، حلقه درامية عن الشاعر وشعره.. في برنامج »أدب وأدباء« الذي أخرجه آنذاك المرحوم مراد كامل . .
 
لماذا سمي ديوانه بأزهار الشر، وأُطلق عليه: الشاعر الرجيم؟! هل هو رجيم حقاً، وهل أزهاره أزهار شر؟!.. لقد تركت الإجابة لشعره، وتركت المجال لصوت يتنادي في »الصدي« بأشعاره:
 
أيها القاريء المطمئن الوادع
 
يارجل الخير، السليم الطوية، القانع
 
إطرح من يدك هذا الكتاب
 
هذا الكتاب المستهتر الفاجع
 
*   *   *
إذا كنت لم تتلقن فنون البيان
 
علي النقيب الماكر الشيطان
 
فاطرح كتابي، فلست واعيا منه شيئا
 
أو أنت معتقد بي لوثة العقل والخيال
 
أمّا إذا استطاع طرفك ـ غير مفتون ـ
 
أن يمعن في الأغوار
 
ويغوص في اللجة إلي القرار
 
إذاً فاقرأني تتعلم محبتي
 
ربما اندهش المتلقي من طمع الشاعر أن ينال محبته أو محبة الناس، بينما كان هو الحريص في حياته علي لقب »الشاعر الرجيم«.. فهل هو رجيم فعلاً، أم أن ذلك شبيه بحرص توفيق الحكيم علي لقب »عدو المرأة«، ولم يكن أبداً لها عدواً!! يجيبنا شعر بودلير:
 
يا أيتها النفس المتطلعة
 
أنت يا من تألمين الوجود
 
وتحومين باحثةً عن فردوسك المفقود
 
إرثي لي!… وإلاّ عليك لعنتي!!
 
فهل سيرة حياة شارل بودلير تستحضر اللعنات؟. لقد تولد لديه اعتقاد من الصغر بأنه كان نكبة لأمّه التي أتاها ميلاده بمسخٍ شائه قوض ما تنشده كل أم أن ترزق بطفلٍ جميل..هو لذلك يري أن ميلاده كان قضاءً حَمَّ بأمه، فيقول:
 
لما حمّ القضاء الذي لا راد لحكمه..
 
وخرج الشاعر إلي هذه الدنيا العانية الكليلة برغمه
 
ريعت أمّه، وأخرجها السخط عن طبيعتها
 
فلوحت للمساء بقبضتها، والسماء راثية لنكبتها
 
آه، ليتني كنتُ قد ولدْت وكْراً كاملاً من الحيات
 
ولم أكن والدة هذا المسخ دون سائر الوالدات،
 
معلونة، ملعونة بما كان فيها من متاع عابر،
 
تلك الليلة التي فيها حملت بطني العاقر .
 
بمن كان ميلاده كالقصاص مني
 
تكفيراً عن أكبر الكبائر . .
 
ما كاد الطفل يطل علي الحياة، حتي فقد أباه، وشاكسته الأيام لتشبعه شقاءً وعذاباً وضنكا.. ما كاد يستوعب رحيل أبيه، حتي فجأته أمه بأنها ترغب في الزواج من ضابط شاب صديق للأسرة، يصغرها سنًّا.. دون أن تأبه بتحفظاته التي أطلقها علي استحياء، فانطلقت أشعاره شجية حزينة:
 
إني لأتمثل أمك، يا وليد هذا العصر الخسيس، القليل الخير
 
أتمثلها في حرصها علي إصلاح ما أفسد الدهر .
 
عاكفة علي مرآتها تحكم الطلاء الأبيض علي صدرها .
 
ذلك الصدر الذي أرضعك .
 
ولكنه علي كل ما حاول أن يتجرعه، صار ضيفاً ثقيلا بالبيت علي العروسين، فدفعا به في رحلة علي السفينة »بحار الجنوب« التي أقلعت من ميناء بودو بقيادة ربان صديق حميم لزوج أمه، ميممة في المحيط شطر سيلان والهند وكلكتا.. لم يدر البحارة أن مشاعر الصبي الشاعر سوف تتأذي من فرحهم بصيد أحد طيور »القطرس«.. وهو طائر ضخم من مرتبة الطيور البحرية الأنبوبية الأنف.. تركهم الصبي في صخبهم الفرح بالطائر الأسير المعذب، وطفق ينشد:
 
 كان الملاحون كثيراً ما يلهون
 
فيقنصون طيور البحر العظام
 
وهي تابعة مستسلمة مسترسلة كرفيق الطريق
 
في صحبة السفينة المنسابة فوق لجج الخضم السحيق..
 
فما هو إلاّ أن أهوي بعضها علي أرض المركب
 
حتي رأينا هذا الملك من ملوك الأجواء في حال شوهاء
 
وأجنحته البيض الطوال مسلوبة الكبرياء
 
يجرها إلي جانبيه كالمجاديف
 
ذلكم فارس الهواء، ما أسمج ما صار إليه، وما أهونه!
 
*   *   *
 
كذلك الشاعر، أشبه الأحياء، بأمير الأجواء
 
يقتحم العواصف ولا يبالي الرماة وهو في أوج السماء
 
ولكنه علي الأرض غريب طريد، ومعرض استهزاء وهوان
 
يمشي متعثر الخطو، يعوقه عن المشي، جناحاه الجباران
 
*   *   *
 
هذا الشاعر البائس لم تفسح له الحياة، فطارده الموت وهو في الأربعين، لا يري ما يراه الناس أن حياته قصيرة، فهي عنده طويله بطول ما عاناه فيها.. ينشد في حزن:
 
أنا الجرح والسكين
 
أنا الطاعن والطعين
 
ياموت.. أيها الملاك المحنك، الموكل بسفر الأرواح
 
آن الأوان. فارفع المراسي، وهيء لنا الرحيل
 
مللنا المقام هنا ـ يا موت!… فعجّلْ الرواح
 
وإن يكن ـ أيها الملاح! ـ قد إدّلهم أمامك البحر والسماء
 
فإن نفوسنا التي ألمت بها ـ يشع منها الضياء
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »