شريف عطية

بهلوانيات حول «غزة»

شارك الخبر مع أصدقائك

شريف عطية :

لم يكن من المتصور لتلك البقعة الجغرافية- محدودة الحجم والامكانيات فى قطاع غزة- الواقعة عند رأس الزاوية القائمة شمال شرق البحر المتوسط، والتى مثلت إلى عهد قريب- ولا تزال- «كابوساً» تمنى قادة إسرائيل لو ابتلعها البحر، أن يكون لها مثل هذا الدور الذى باشرته خلال السنوات الأربع الأخيرة، ضمن محور «الممانعة» فى المنطقة قبل أن تخرج عنه، ولتلتحق بمحور القاهرة بعد أن ناهضت إستراتيجيتها للسلام، ولتصبح من بعد عنصراً فاعلاً ضمن مركز الدائرة لاتفاقات أمنية فى السياق الغربى، أبرمت فى يناير 2009، كونداليزا رايس/ تسيبى ليفنى، لمكافحة الإرهاب الدولى على طول المنطقة الممتدة من جبل طارق غرب المتوسط إلى مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر، كما أضفت «غزة» فى إطار الصدام بينها وبين إسرائيل طوال الأسبوع الثالث من نوفمبر الحالى، على مصر- ترسيخ دورها الإقليمى.. لم يكن لها فى عهد النظام السابق، إذ تصبح جهودها الأخيرة محل إشادة من دول المحور الأمريكى، من بينها إسرائيل، ما يضفى المزيد من الصلابة على حكامها الجدد فى مواجهة معارضيهم فى الداخل وعلى مستوى الإقليم بسيان، الأمر الذى يثمن بشكل أو آخر.. دور غزة المستقبلى بالنسبة لتحولات جيوسياسية ذات مغزى، بأقله.. فى منطقة شرق المتوسط.. التى تجذب راهناً مختلف القوى الدولية والإقليمية المعنية باستقرار الشرق الأوسط.

إلى ذلك، قد يصدق القول.. إن النزاع فى غزة وحولها.. إنما يدور اليوم فى فلك نظام إقليمى جديد، لا يزال غامض المعالم، ولم تمتحنه الأزمات بعد، خاصة بالنسبة لمصر.. ومصالحها القومية التى لا تزال على حالها من الارتباك، سواء ما يتصل بسيناء المستهدفة.. على مرمى حجر من غزة، أو من جراء التواصل الأيديولوجى بين الجانبين، وارتباط ذلك بإنعاش الاقتصاد المصرى من عدمه، ناهيك عن ماهية تطور علاقات مصر بالقوى الخارجية ذات الشأن، وعن طبيعة دور القاهرة سواء فى معالجة الانقسام الفلسطينى.. وبوصفها الضامن الفعلى للتسوية التى تم التوصل إليها بشأن غزة.. بين إسرائيل والجماعات الجهادية الفلسطينية، أو بالنسبة لمشاركتها- أى القاهرة- واشنطن وتل أبيب مع حركة حماس فى صياغة مقاربات واقعية إزاء غزة.. من المفترض أن تصلح نموذجاً يسهم فى تسوية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلى بوجه عام، خاصة إذا ما يممت «حماس» وجهتها- كما تشير الشواهد- شرقاً.. نحو رام الله والمؤسسات الفلسطينية فى الضفة الغربية، ذلك حال نجاح هدنتها مع إسرائيل، وما سوف يتمخض عنه الحراك «الإخوانى» فى مصر وسوريا والأردن من ناحية ثانية، الأمر الذى يشير- ربما- إلى احتمال عقد مصالحة تاريخية- إن جاز التعبير- بين اليمين الأصولى على كلا الجانبين العربى والإسرائيلى.

وهكذا، ربما يكون من المقدر لغزة- رغم محدودية مساحتها وضعف إمكانياتها.. اللذين يعوضهما موقعها الحاكم وجوارها لمصر، أن تقوم بدور «مكوك الأزمات» فى ترسيم سياسات إقليمية وتسوية نزاعات تاريخية، لم يكن من المتصور أن يشارك فيها بفاعلية هذا القطاع الصغير الذى يحكمه الإسلام السياسى منذ 2007، ولا عجب فى ذلك.. إذ إن كل تطور كبير يبدأ من فكرة أو نبتة صغيرة قد تبدو مجنونة فى أول الأمر، لكن سرعان ما تتحول إلى حقيقة ثابتة، وهذا ما سوف يثبته أو يدحضه تلك البهلوانيات الجارية فى غزة وما حولها.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »