رجائى عطية

بلية مضحكة أخري‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

هذه بلية أخري يضحك شرها، متصلة ببلية الأمس المضحكة التي ملأت سطور عمود الأمس، وملأت قلوبنا وعيوننا بكاء علي حال الأمة العربية!.. في ظُلُمات هذه الأحزان يلتمس البدر، والبدر المأمول لا يمكن أن يأتي إلاّ من النخبة المثقفة العارفة القادرة علي الإمساك بالزمام وقيادة العقل الجمعي والفردي إلي »النور« الذي يشق به طريقه وسط الظلام، ويأمن الزلات، وأباطيل المبطلين، وطلقات الطائشين، وسفاهات صُناع ومحترفي »الأونطة« التي صار لها هي الأخري قادة وزعماء وأمراء.. وربما نسمع أحدهم ينادي بأنه الزعيم الأوحد والوطني الأوحد والبصير الأوحد والمحنك الأوحد والأشوس الأوحد.. فيه وحده الأمل، وعليه وحده معقد الرجاء!
 
هناك تحولات أراقبها وفي الصدر ضيق شديد قد ينطبق عليه: »إن نكتم ينشق الصدر، أو ننطق ينفتح القبر«!.. هذه التحولات أصابت بالتحديد صحيفتين صارتا معنيتين يوميا بتخصيص ركن دائم مُحَلَّي بالصور والمانشتات لزيارات خزفية تقطع طول البلاد وعرضها حتي النوبة، يستقبل فيها صاحب الركن أو المقرر الدائم استقبال الزعماء والأبطال بما ينافس ـ إن لم يزد ـ عمّا كان يستقبل به مصطفي كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ومصطفي النحاس !.. صاحب الركن مهما كان التعاطف مع محنة سجنه سلفاً في جناية تزوير توكيلات، سواء كان التزوير ملفقاً عليه، أم تعنتت السلطات في كشفه وملاحقته فيما كانت تكتفي بالتلويح إليه تلويح العارف المتابع الساكت عنه إلاّ أن تبدر بادرة غير مرضية تدعو لفتح ملفه!.. صاحب الركن لم يكن في يوم من الأيام زعيماً مصرياً مشهودًا أو غير مشهود، ولا عالمًا من العلماء الأفذاذ، ولا مهنياً من المهنيين المتميزين الذين لا يشق له غبار، ولا هو صاحب إمكانيات فذة.. ولم يرصد أحد خدماتٍ جليلة قدمها للوطن، اللهم إلاّ إذا كان الترشح للرئاسة ـ وقد فعلها عديدون غيره! ـ عملاً مغواراً لم تأت به الأوائل ولن يأتي به الأواخر، مع أن الحض والتشجيع علي الترشح كان آنذاك جارياً علي قدم وساق مقرونا بمنح »وهبة« تشجيعية لتكاليف الترشيح.. قدرها نصف مليون جنيه أي خمسمائة ألف جنيه بالتمام والكمال!
 
لم تكن الدولة ضيقة إذن بترشحه للرئاسة ولا بترشح سواه، بل كانت الدولة تشجع وتحض علي الترشح ليكتمل المشهد التنافسي الذي كان مقطوعاً بنتيجته المؤكدة التي يعرفها الأعمي والبصير، ويعرفها المترشحون أنفسهم، الذين عرفوا أنهم ليسوا أهلاً للمنافسة، لدرجة أن تنادي أحدهم ـ رحمه الله ـ بأنه سوف يعطي صوته علي الرئاسة لمن خاض الانتخابات لمنافسته!
 
ليس هذا تجريحاً ولا تهويناً من أمر المرشحين أو من شأن صاحب الركن، فوالده رحمه الله زميل محترم وصديق عزيز جداً، وإنما أردت فقط أن أوضح نقطتي: لماذا هذا المقرر أو الركن اليومي الدائم بالصحيفتين، المُحلّي بالصور والعناوين، للنفخ والتكبير والتضخيم، يتابع كل شاردة وواردة، حتي البسمة والتكشيرة وربما الكحة، في إفتعال لا يفوت القاريء، ومع ذلك لا يتردد الركن اليومي الدائم في هذا الإلحاح الغريب الذي أعياني فهمه والبحث عمن وراءه!!
 
ظنّي أن صاحب الركن الدائم نفسه، لا يملك إمكانيات ولا أدوات تسخير صحيفتين يوميتين للتخديم عليه بهذا التخديم المفتعل المصطنع، ومن ثم يظل السؤال مشرئباً عن مصدر وعلّة أو حكمة وغاية هذا التخديم ولأي هدف؟!.. هل لمعارضة النظام وتقديم رئيس منافس؟!.. إن مصر مليئة بقامات عالية حقيقية مهيأة بعلمها وكفاءتها وخبراتها وشخصياتها وتاريخها ـ تصلح لهذه المنافسة، ومن المؤكد أنه لايمكن أن يكون أحد من الناشرين للركن أو المقرر اليومي الدائم ـ قد صَدَّقَ للحظة أن الجاري التخديم عليه يملك بالفعل ما يؤهله لهذا الموقع الرفيع ومسئولياته الخطيرة!
 
    أيها السادة، إن مصر أكبر كثيرا من هذا الهزل، واعتلاء رئاسة مصر ليس أمراً هينا يدفع أو يتصور أنه يمكن أن يدفع إليه بأي شخص!.. المشهد الراهن خائب الغرض خائب المسعي خائب الهدف، ناتجه الوحيد أنه يساهم بالوعي أو باللاّوعي في مزيد من نشر ثقافة »الخيبة« و»الأونطة«!
 
مصر أغلي وأعز من هذه المشاهد العبثية الهزلية المؤسفة، وَحَرية جديرة بأن نرتفع حاكمين ومحكومين إليها وإلي أمانيها وحقوقها علينا.. من شر البلّية أن السعي الذي نراه ـ يشد مصر إلي الوراء!.. إن البضاعة التي أتلفها الهوي كما قال السيد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ ـ قد ضربت في كل باب، ولم يعد هناك أمل إلاّ في مسعي وأداء النخبة الحقيقية المخلصة.. فهل نقبض علي هذا الأمل؟!
 

شارك الخبر مع أصدقائك