توفيق اكليمندوس

خواطر مواطن مهموم 7 الدولة والثقافة

شارك الخبر مع أصدقائك

أعنى بالثقافة هنا مجموعة التصورات والخطابات الحاكمة للممارسات النخبوية والشعبية، الفردية والجماعية.

والخطاب قد يكون قولا أو فعلا. أفهم أن استعمال الجمع قد يكون أدق، فثقافة الفقراء غير ثقافات الطبقات الوسطي، ثقافة القاهرة ليست ثقافة المدن أو المحافظات الأخرى، بل قد تختلف الثقافة من حى إلى آخر، ثقافة شبرا غير ثقافة وسط البلد أو ثقافة مدينة نصر، وهى قطعا تختلف من جيل إلى آخر.

الفكرة الرئيسة التى أريد نقاشها اليوم ثمرة مشوارى الشخصى ومناقشات مع فاعلين وحوارات لا تنتهى مع صديقين… من كبار الباحثين المصريين. لن أذكر اسميهما لأننى لم أستأذنهما، والرأى المعروض هنا رأيى الذى يتفق مع رأيهما فى أشياء أظنها كثيرة ويختلف فى أشياء أحسبها قليلة.

الدولة ترى نفسها منذ قرنين فى حالة صراع مع التخلف المريع، ومع مثلث الفقر والجهل والمرض، ومع الاستعمار أولا ثم مع القوى الإقليمية والدولية المناوئة، ولكل من تلك القوى مجموعات مصرية ترتبط مصالحهن بمصالحها، وبعض أو كثير من العملاء.

رأت الدولة طوال القرن الماضى فى ثقافة الشعب جزءا أصيلا من المشكلة، فهى مصدر وسبب وتجسيد التخلف، ولكن تغييرها صعب ويستغرق وقتا، والوقت غير متاح، لا سيما فى ظروف إقليمية ودولية تحتم توحيد الصف، ولذلك استسهلت الدولة إسكات تلك الثقافة وقمعها مع استغلال الجوانب القليلة التى تقوى من قبضة السلطة.

أشدد على ما يلى، من ناحية تغيرت ثقافة الشعب وتطورت، فالثقافة ليست كيانا جامدا، وهذا التطور ليس خيرا كله ولا شرا كله، ومن ناحية أخرى لا تمثل الدولة الحداثة دائما، تكون أحيانا أكثر محافظة من الشعب، وأخيرا الدولة مهما تصور الفرقاء المختلفون ليست منعزلة عن الشعب فهى تؤثر فيه وتتأثر به. ولكن هذا الواقع لا يمنع الفرقاء من التمييز بين الدولة والشعب كأنهما لا يلتقيان أبدا.

والدولة ترى أن ضيق الوقت سيد الموقف، فالمشكلات فى رأيها جسيمة لا تسمح بالمخاطرة بقبول هزة واحدة.
وأزعم أن ثلاثة تواريخ شكلت وجدانها السياسى والأمني، حريق القاهرة فى يناير 52 وهزيمة 67 وثورة يناير.

القاسم المشترك بين تلك الأحداث الجلل فى مدركات الدولة هو أنها فى رأيها نتيجة «تهييج» و«شعارات»، فهى ترى أن التهييج استغل أسباب غضب مشروعة وعميقة ولكنه تسبب فى كوارث، قد نتفق أو نختلف حول هذا التقييم لثورة يناير – شخصيا أختلف معه ولكن رأيى ليس مهما، المهم من هو المسؤول عن التهييج؟ يتأرجح رأى الدولة بين نسبه إلى مؤامرة خارجية أو إلى الفئات الدنيا من الإنتلجنتسيا وإلى الخطابات الحنجورية التى تختزل الأيديولوجيات فى شعارات.

وفى ظنى الدولة لها موقف ملتبس على أحسن الفروض وسلبى غالبا من الأيديولوجيات التى أفرزها المجتمع، تراها لا تتعامل مع التحديات الحقيقية لا سيما الاقتصادية والاستراتيجية، ترفع من سقف التوقعات الشعبية بطريقة تفتقر إلى الواقعية، تعتمد على التكفير والتخوين والشيطنة، تسعى جاهدة إلى نزع شرعية النظام والدولة، وتحدد معايير لتقييم أداء الدولة تجعلها دائما متهمة.

هذا هو رأى الدولة فى الأيديولوجيات السائدة فى نسخها الفكرية العميقة… وطبعا رأيها فى الشعارات المنبثقة من تلك التيارات أسوأ، فهى تراها تافهة ومؤثرة تأثيرا ضارا.

طبعا لا يعنى هذا الكلام أنه لا يمكن توجيه انتقادات قاسية لأداء الدولة تكون فى محلها. يعنى فقط أن الدولة ستستمع إلى الخبراء ولكنها ستتوجس من خطابات المثقفين والتيارات السياسية إسلاموية كانت أم ناصرية أم ليبرالية.

يقر بعض المثقفين بصحة تشخيص الدولة، ولكنهم يختلفون فى تحديد مسؤولية كل من الدولة والفرقاء.

  • أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »