Loading...

بـوش يتعـــثر فــي الحـرب .. وفـــي الاقتـصـــــاد أيــضــــا

Loading...

بـوش يتعـــثر فــي الحـرب .. وفـــي الاقتـصـــــاد أيــضــــا
جريدة المال

المال - خاص

10:26 ص, الأحد, 6 أبريل 03

سامر سليمان:
 
جورج بوش في مأزق. ومأزقه هذا بعيد عن مسرح العمليات العسكرية في منطقتنا. انه هناك في عقر داره. المشكلة تتلخص في ان المؤشرات الاقتصادية علي المستوي الأمريكي وعلي المستوي العالمي تدعو فعلا للقلق.. ليس قلق المواطن الأمريكي العادي الذي ليس بوسعه التأثير كثيراً علي مجريات الأمور، ولكنه قلق الأوساط الاقتصادية والاستثمارية الأمريكية والعالمية التي لا يمكن لأي رئيس أمريكي ان يتجاهلها فطوال الشهور الماضية كان المستثمرون في حالة شلل شبه تام .

 
فالقرارات الاستثمارية المهمة لا يمكن اتخاذها في ظل مناخ من عدم اليقين التام حول ما يمكن ان تسفر عنه الحرب. لذلك كان لانطلاق شرارة الحرب الأولي اثر مباشر في خلق موجة من التفاؤل انعكست بشكل سريع ايضاً علي البورصات العالمية التي شهدت ارتفاعا ملحوظاً في مؤشراتها. لكن ما ان مرت عدة أيام علي بدء الحرب وبدا واضحاً تعثر الخطط العسكرية للقوات الأمريكية والبريطانية حتي انهارت كل التوقعات الاقتصادية المتفائلة.وكانت النتيجة ارتفاع سعر البترول من جديد حتي تخطي حاجز الثلاثين دولاراً، هذا بالاضافة إلي تراجع مؤشرات البورصات الكبري في العالم من نيويورك إلي طوكيو .
 
هذه المؤشرات السلبية دفعت مدير صندوق النقد الدولي جيرد هوسلر إلي القول: بأن استمرار الحرب لمدة طويلة لن يؤدي إلا إلي كساد عالمي. والمشكلة في رأي هوسلر لا تنبع فقط من طول فترة الحرب بل من احتمال قوي بأن تشتعل موجة من الهجمات «الإرهابية» علي المصالح الأمريكية والبريطانية. ولم يكد مدير الصندوق يصرح بهذا حتي بدت بشائر «الإرهاب» في الأفق. فقد هاجم لبناني في الاسبوع الماضي احد افرع المصارف البريطانية في بيروت واحتجز مجموعة من الرهائن قبل ان يخلي سبيلهم ويسلم نفسه للشرطة. ومن البديهي ان احتمال تسارع هذه الهجمات سوف يزيد بكثافة مع اشتداد حدة الحرب وسقوط المزيد من الضحايا المدنيين العراقيين. وعلي الجانب الأوروبي أعلن ارنست ولتك عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي ان استمرار الحرب سوف يكبد الاقتصاد الأوروبي خسائر كبيرة. وتكمن المشكلة الاساسية بالنسبة للأوروبيين في ان ارتفاع أسعار البترول يزيد من تكاليف الانتاج. وهذا ينطبق ايضاً علي الاقتصاد الأمريكي الذي يستورد أكثر من نصف احتياجاته من النفط والذي لا يستقبل بسرور أي أنباء عن عبور سعر البترول لحاجز العشرين دولاراً. ماذا يحدث إذن إذا واصل سعر البترول ارتفاعه وتخطي حاجز الأربعين دولاراً وليس فقط الثلاثين دولاراً كما حدث في الأسبوع الماضي؟
 
مازال الرأي العام الأمريكي في معظمه مساند للحرب وذلك بفضل الاعلام الأمريكي المهيمن. ولكن الجديد الذي بدأ يحدث بالفعل هو نزعة التشاؤم والقلق التي تنتاب المستثمرين في الولايات المتحدة .
 
ليس للرأسمالية الأمريكية أي مشكلة مع كل خطة استراتيجية تهدف إلي احكام السيطرة العسكرية والسياسية للولايات المتحدة علي العالم مادام ان هذه السيطرة سوف تترجم في النهاية إلي أرباح اقتصادية. ولكن ليس من أجندة هذه الرأسمالية علي الاطلاق الانخراط في مشروع أيديولوجي غامض يهدف إلي شن حرب علي «الشر» في العالم. ومع تعثر القوات الأمريكية في العراق يتبين ان اليمين المسيحي المحافظ قد ورط الاقتصاد الامريكي والمصالح الأمريكية في مستنقع شديد الخطورة. من الناحية الاقتصادية الرابح الأساسي من هذه الحرب هو لوبي النفط الأمريكي. ولقد بدأت البشائر الأسبوع الماضي حين وقع الجيش الأمريكي عقداً مع شركة هاليبورتون التي كان يرأسها نائب الرئيس الأمريكي «ديك تشيني»، من أجل اطفاء الحرائق في الآبار العراقية. وهو الأمر الذي أدانه بعض اعضاء الكونجرس باعتبار ان الجيش كان يجب ان يعلن عن مناقصة لتخصيص هذا العقد. ويقال ان لوبي الأدوية ايضاً مستفيد تماماً من هذه الحرب. لقد قام طبيب أمريكي كبير هو ماثياس راث بنشر اعلان في جريدة «الهيرالد تريبيون» منذ حوالي أسبوعين يتهم فيه كارتل الأدوية الأنجلو أمريكي بأنه المستفيد الأول من هذه الحرب حيث ان القضايا التي يرفعها المرضي المتضررون من الآثار الجانبية للأدوية يمكن ان تهدد شركات الأدوية بالشلل. ويقول الطبيب ان مناخ الذعر الذي تخلقه احتمالات استخدام أسلحة الدمار الشامل في هذه الحرب هو أفضل مناخ لمنح حصانة لشركات الأدوية تمكنها من الافلات من ملاحقة المرضي.. وفي هذا السياق تجدر الاشارة إلي ان شركات الأدوية كانت ممولاً رئيسياً لحملة جورج بوش في أمريكا وتوني بلير في بريطانيا. ليس بمقدورنا الحكم علي هذه النظرية لعدم توافر المعلومات اللازمة ولكن من المؤكد انه باستثناء شركات السلاح والبترول وربما الأدوية ايضاً ستؤدي الحرب إلي خسائر اقتصادية كبيرة لكل الأطراف، داخل الولايات المتحدة وخارجها، من أوروبا إلي أمريكا اللاتينية، ومن آسيا إلي العالم العربي. والخسائر تصيب الآن القطاعات الانتاجية من جراء زيادة أسعار البترول وتنامي عدم اليقين، كما تصيب القطاعات الخدمية خاصة قطاع السياحة والطيران .
 
تحاول الولايات المتحدة تعويض بعض الخاسرين من الحرب. فقد قررت منح مساعدات لتركيا، وللأردن، ومصر وإسرائيل التي حصلت وحدها علي نصيب الأسد (10 مليارات دولار). ولكن هذه المساعدات لن تؤدي إلا إلي تخفيض الخسائر فقط. ولكن يبدو ان الكل سوف يخسر من هذه الحرب. وهذا يدفع إلي احساس متنامي بأن هذا الرجل القابض علي البيت الأبيض هو جد خطير وان التيار اليميني الأصولي في أمريكا سوف يعصف بمصالح العالم كله بما فيها مصالح الرأسمالية الأمريكية. ماذا يستفيد المستثمر الأمريكي إذا تزايدت دعاوي المقاطعة في العالم كله ضد المنتجات الأمريكية؟! ماذا يستفيد هذا المستثمر إذا تعرضت شركاته ومصالحه في الخارج لأعمال إرهابية؟ ماذا يستفيد إذ اصبح المواطن الأمريكي هدفاً للمشاعر العدائية ان لم يكن للاعتداء المادي؟ لقد عبرت بعض الأوساط الاستثمارية الأمريكية بالفعل عن قلقها تجاه تدهور العلاقات السياسية مع أوروبا .
 
علي ما يبدو ان معسكر السلام في العالم سوف يستقبل ـ عن قريب ـ اعداداً متزايدة من المستثمرين في الولايات المتحدة وفي خارجها، فهل نسي ان أباه قد خسر الانتخابات الرئاسية بسبب الاقتصاد؟! هذا بالرغم من ان شعبيته كانت في السماء بعد ان أبلي بلاء حسناً في ساحة القتال ضد العراق. أما بوش الابن فهو لم يحقق حتي بطولات عسكرية حتي الآن. الامل الوحيد بالنسبة لبوش هو ان تحدث المعجزة وان تسقط بغداد سريعا في يد القوات الأمريكية والبريطانية بأقل الخسائر الممكنة، حينئذ ينتعش البيزنس ويلتحق الكثيرون بموكب نصر الرئيس الأمريكي. ولكن الكابوس الحقيقي لبوش هو ان معظم المحللين العسكريين يستبعدون حدوث مثل هذه المعجزة .
جريدة المال

المال - خاص

10:26 ص, الأحد, 6 أبريل 03